اللغة في المسرح، الفصحى والعامية في كتابة النص وفي أداء الممثل ومستويات التلقي والوصول بالمسرح العربي إلى أداء يخرجه من الإقليمية والمحلية إلى الفضاء الأرحب والأوسع، اللغة كنظام قائم بذاته، أو اللغة المسرحية التي هي مجموعة من لغة الكتابة والقول والبصر، هل اللغة الفصحى محاربة بالعامية، وهل العامية هي تقوقع وانغلاق للمسرحي العربي، وكيف تمر رحلة اللغة المسرحية من لغة الكتابة عند إلى المؤلف إلى لغة الإخراج إلى المتخيل الذي يعيشه المتفرج؟

أسئلة طرحتها خمس أوراق بحثية في اليوم الأول لملتقى الشارقة الثالث للمسرح العربي الذي افتتح صباح أمس بقصر الثقافة بحضور عدد كبير من ضيوف الملتقى من المسرحيين العرب، حيث يفتح هذا الملتقى محاوره التي تمتد إلى صباح ومساء اليوم تحت عنوان رئيسي هو «اللغة في المسرح» في محاولة لطرح جملة من الإشكالات الفكرية والفنية في المسرح العربي لتحريك الراكد ولمحاولة الخروج باستشرافات تفيد في تطوير لغة المسرح.

وكان عبدالله العويس مدير دائرة الثقافة قد افتتح جلسات الملتقى صباح أمس بقاعة الندوات بقصر الثقافة في الشارقة بكلمة أشار فيها إلى ضرورة تشخيص حالة اللغة المسرحية في الوطن العربي وتسليط الضوء على عدة أمور ذات تماس مع الواقع المسرحي من اجل الوقوف على مستويات التعبير اللغوي وكشف حالة الفصحى والعامية في المسرح العربي واستقراء اثر العولمة على اللغة في المسرح.

ومن جانبه أكد المسرحي العراقي المخضرم يوسف العاني في كلمته التي ألقاها نيابة عن ضيوف الملتقى على انه من الضروري أن يلتقي المسرحيون العرب ليقولوا كلمة صدق وصراحة في موضوع دار ويدور بين الحين والآخر لكنه لم يستقر بعد على حالة مقنعة، وان المسرح وناسه وحدهم هم القادرون على الفعل والتحريك والتطوير.

وأدار الدكتور حبيب غلوم الجلسات الصباحية، حيث قدمت الباحثة والناقدة العمانية آمنة الربيع ورقة في إطار محور «اللغة في المسرح، مستويات التعبير اللغوي «أشارت فيها بعد تعريفها للغة والنص المسرحي إلى أن الكاتب المسرحي وهو يحرص على متن ومحتوى وأهداف اللغة التي يود تقديمها للمتلقين تتهادى له لغات مسرحية أخرى كلغة المخرج والممثل وفني الإضاءة والصوت بالإضافة إلى لغة الإيماءة.

وبسبب نشوء هذا التوتر تفرض بعض الآراء النقدية رأيا مفاده بأنه إذا كان تاريخ المسرح عموما هو تاريخ لدراما أدبية تكتب وتصاغ وتعرض دائما بوسائل أدبية لها علاقة بقوانين الأدب، فقد آن الأوان لأن يتعود المسرحيون على كتابة النص المسرحي البصري، وان يكفوا عن كتابة نصوصهم الأدبية التي لا تخلق ديناميكية للعرض بل تخلق نصا أدبياً درامياً مغلقاً.

وتتساءل الناقدة الربيع: هل هناك مشكلة تعاني منها اللغة في المسرح؟ وتجيب أن مشكلة اللغة في المسرح قد لازمته منذ البداية ملخصة مستويات التعبير اللغوي في النص المسرحي بمستويين، مستوى اللغة الشعرية ومستوى اللغة النثرية، مشيرة إلى أن المؤلف الذي يتمتع بثقافة واسعة تتقاطع مع ثقافة الراوي العليم يستطيع أن يمزج كتابته بالمستويين معا، بحيث يمكننا أن نقرأ نصاً مسرحياً درامياً لا يقلل من تلذذنا بمشاهدته كعرض بصري ذي أبعاد فكرية واجتماعية صادرة عن نفس جمال مرهف وعذب.

أما ورقة المسرحي الأردني غنام غنام فقد تناولت ستة مستويات للغة المسرحية هي ميكانيزمات خلق واحدة للعرض المسرحي، يبدأ أولها بالفكرة الشفوية المجردة في عقل المؤلف المسرحي تتفاعل بعد ذلك بالمعطيات الموضوعية لتاريخها ومكانها وحضارتها وصولا إلى الموقف الذاتي وبهذا يتم الانتقال إلى المستوى الثاني وهو كتابة النص الملفوظ الذي يتحول من الرمز الصوتي إلى الرمز البصري ليكون النص بشكل أو بآخر رسالة وهو ما اسماه غنام بالمستوى الثالث في تخليق العرض المسرحي.

المسرحي العراقي المخضرم يوسف العاني قدم ورقة تناولت جدلية حول الفصحى والعامية ثنائية الشاق والوفاق مدلالاً بالعديد من المحطات والتجارب المسرحية طيلة مشواره المسرحي الذي انطلق به منذ الأربعينات وانعكاسات لغة العروض المسرحية سواء على النظارة او على الممثلين، مشيرا إلى انه ليس في أمر صعوبة إذا ما اختار المسرحي العربي تقديم عمله المسرحي باللهجة المحلية لكن شريطة ألا يكون ذلك حائلا دون الاقتراب من الجمهور العربي.

أما المسرحي المغربي عبد الحق الزروالي فقد هاجم بشده من ينادون اليوم بإقصاء النص المسرحي، الجنس الأدبي الرصين، الذي ينتمي إلى بقية الأجناس الأدبية، مشيراً إلى ان الذين يطالبون اليوم بتكريس مسرح الصورة على حساب إلغاء النص المسرحي الأدبي، انما هم يسعون إلى تهميش الفكر العربي ونزعه من جذوره وأصالته العريقة.

المسرحي اللبناني د. جان داوود اعتبر ان الحاجز ليس في الفصحى ولا في العامية وإنما الحاجز هو في أداة التوصيل، في الممثل أولاً وأخيراً، معتبرا الممثل هو لغة المسرح، وان هذه اللغة كلما بلغت من الرصانة والتقانة مبلغها الصحيح والسليم استطاعت الاختراق والوصول والتأثير.

مشيرا إلى انه في مرحلة معينة من العمل على إعداد الممثل نكون ملزمين ان ندفع به إلى التعبير باللغة الأقرب إلى روحه وأفكاره ومشكلته، وتكون اللغة او العمل عليها او على علاقته بها في موقع ثانوي من الأهمية، ولكن علينا في مرحلة لاحقة ان نزيل الحواجز بينه وبين اللغة التي يؤدى بها.

وأشار د. داوود إلى ان مسألة اللغة تتخطى الشكل، والفصحى او العامية شكل وان ارتبطت من زاوية معينة بإعطاء بعد ومدى ومضمون، او ان كان لها اثر فيه. فللغة سلطتها على المؤلف او الكاتب نفسه، ولكن المؤلف الأول، الكاتب، والمؤلف الثاني الممثل مبدعان مفترضان ويناط بهما التحرر من سلطة اللغة لإعطائها سلطة خاصة وواقعا خاصا في كائنهما الفني.

مرعي الحليان