جاء بينالي الإسكندرية في احتفاله بيوبيله الذهبي، ليفجر العديد من الإشكاليات الشائكة سواء تنظيمية، أو فنية، أو إبداعية، وحتى سياسية على نحو غير مسبوق، فقد سبق افتتاحه اتجاه قوي لنقله من مكان إقامته الأثير بمتحف الفنون الجميلة في أثر تصدعات أصابت المبنى الأثري الذي شهد إقامة دورات البينالي منذ أن قام الرئيس جمال عبدالناصر بافتتاحه لأول مرة في العيد القومي لمدينة الإسكندرية في 26 يوليو العام 1955، وهي المرة الأولى التي يفتتح فيها عبدالناصر معرضاَ للفنون وآخر مرة.

وعلى الرغم من مظاهر الاحتفاء الاستثنائية لافتتاح هذه الدورة حيث شاركت أكثر من 40 جهة معنية بالثقافة والفنون في دعم فعاليات البينالي إلا أن المدهش أن المسابقة الرسمية للبينالي والتي تقام بشكل اعتيادي طوال السنين الماضية خلت من الإبداع، والجوائز المالية في ظل غياب مفاهيم عصرية لاقتصاديات الفنون، حيث كشف كوميسير البينالي الفنان «عصمت داوستاشي» عن أن ضعف الجناح الفرنسي والذي يشكل لغزاً يرجع إلى أن فرنسا طالبت بتغطية مالية لمشاركتها في المسابقة.

وعلى جانب آخر دوت صرخة من الجناح الأسباني الذي حصل على أفضل جناح مصدرها أنين العديد من البشر المغامرين في رحلة هروبهم البحرية من جنوب المتوسط إلى شواطئ أسبانيا وهو العمل الفني المجهز في الفراغ واحتل القاعة الرئيسية في مدخل متحف الفنون الجميلة وجسد صرخات البشر في شكل نحت بارز يخرج من الجدار في الوقت الذي خرج القارب البسيط من نفس الجدار فيما يشبه الطلقة

وعلى الجانب الآخر من العرض أتاح الفنان الأسباني «خوزيه رامون ليدوريكو» عيون مجسمة يمكن النظر من خلال عدساتها على ما يستقر في قاع العين من مناظر ممثلة في حشرات وعشب وبيئات رثة، وهذا العمل يحمل في ثناياه دلالات رمزية عديدة مبهمة تعكس قضية الهجرة الشائكة من الجنوب إلى الشمال في مناطق عديدة من العالم، وهو الأمر الذي تناقض تماماً وعما رفعه البينالي كشعار «شفافية الكون وسحر المتوسط».

ذهبت الجوائز غير المالية هذه المرة إلى الفنانة «آمال قناوي» وأخوها «عبد الغني» من مصر عن عمل فني مشترك جمع بين الرسم المباشر باللون البنفسجي والوسائط المتعددة، والذي عرض في غرفة مظلمة تحت اسم (الغابة البنفسجية) والعمل يمزج بين تقنيات سينمائية وطاقة الرسم التعبيرية عن معاناة المرأة في ظل قيود مجتمعية وإنسانية ونفسية،

فيما ذهبت جائزة إلى الإيطالي «ليفيو اسكربيلا» عن عمل نحتي يحاكي الإنسان المعاصر بألوانه المتعددة، لكن على نحو مدهش عجيب يجعل منه موديل كالذي نراه في الفترينات، بعد أن لونه بألوان طبيعية تكشف عن بساطة متناهية.

إذا كان الجناح الإسباني قد قدم صورة دموية للمتوسط تتناقض مع لافتة البينالي (شفافية الكون.. سحر المتوسط) فالفنانة اليونانية «ليزية كاليجاس» ذهبت في أعمالها الفوتوغرافية التي نالت عنها جائزة البينالي إلى قمة الرومانسية، عندما ركزت على أشعة الشمس على مياه المتوسط، حيث نرى النور يولد من الظلمة في مشهد مهيب يخلق فضاء جديداً، كأنها تحاول إعادة صياغة الواقع.

أما الجائزة الثانية لمصر فحصل عليها الفنان الشاب «عماد الدين عبد الوهاب» عن لوحاته التي تتلاقى فيها التعبيرية الغنائية مع الرمزية، واللافت أن الجوائز جمعت فنون الحداثة وما بعد الحداثة وأيضا الفنون التقليدية ممثلة في التصوير الفوتوغرافي.

في واحدة من أهم فعاليات الاحتفال باليوبيل الذهبي للبينالي شهدت مكتبة الإسكندرية معرضا لضيوف الشرف أصحاب الجوائز والتميز على مدار دوراته (23) حيث نرى لوحات «الحسين فوزي» (19051999) الجرافيكية الرائدة،

ولوحات «حامد عويس» (1919) التي تنتمي إلى الواقعية الاشتراكية، ومنها العمل في الحقل وحماة الحياة وخروج الوردية، كما ضم المعرض النحت البارز على النحاس للنحات «جمال السجينى» (19771917) والذى يعكس في مجملة إرادة قوية غائبة، فيما تصدرت لوحة السد العالي للفنان «أحمد نوار» (1945)المعرض،

وأطلت وجوه «كمال خليفة»، و«أحمد عبد الوهاب»، و«أحمد رجب صقر»، كما رأينا الحجر الغرانيتي الذى لان للمثال «محمود موسى» (20031913) و«جابر حجازي».

لكن من أبرز أعمال المعرض تناول «صلاح عبد الكريم» للحديد الخردة في إبداعات رائدة اتخذت من النفايات مجالاً فاجأ الحياة الفنية في بداية الستينات، ويشترك معه في ذلك «عبد السلام عيد» لكن بخامات مختلفة كالحبال والمرايا وأجزاء من عدد وأجهزة كهربائية.

تنوعت فعاليات البينالي فقد أقيم معرض لفناني مصر في المحافظات عكس تعدد الروافد وتباينها، كما كان للخط العربي نصيب وورش الرسم للأطفال، فيما قدم الكوميسير «عصمت داوستاشي» بجهد فردي كتابا توثيقياً يرصد تاريخ بينالي الإسكندرية في خمسين عاما (19552005)

وكشف عن جوانب مجهولة من عمر وحياة بينالي المتوسط، وتزامن مع إقامة الفعاليات إدارة ندوة دولية طرحت من الأسئلة أكثر ما قدمت من إجابات حول التباين الواضح بين شمال المتوسط وجنوبه.

الإسكندرية ـ سيد هويدي