على الرغم من أن تاريخ أول زيارة لي إلى بوخارست يعود إلى سنة 1973. حينها كان المصدر الوحيد لمعلوماتي عن المدينة هو «ثلاثية البلقان» 1960 ـ 1965 للروائية الإنجليزية أوليفيا ماننينغ، إلا أن ما يحملني على الدهشة الآن، هو اكتشافي أن الكثير مما وصفته ماننينغ لايزال حياً بعد مرور 40 عاماً على كتابتها هذا العمل. حيث لا تزال الجادات العريضة،
وبيوت الإيبوكو الجرسية الأنيقة المقسمة الأجزاء بشكل آدمي، المزخرفة بقطع الإكسسوار الحديثة العهد، التي ترتادها النخبة المحبة الفرانكفونية. هناك تعرفت على الكثيرين، كان ذلك المزيج المضلل من الحياء والفساد الأخلاقي قد أرسى لدي قواعد التحكم في ثورتي في وجوه المتبجحين ورجال الأمن المتواجدين في كل مكان وفي جميع الأوقات.
وبعد سنوات عندما اقترح علي الممثل القدير، ايون كاراميترو، أن أختار له عملاً مسرحياً يمكنني إخراجه هناك، كانت مسرحية هاملت هي الاختيار الأمثل، أما بوخارست فقد كانت إلسينور.
في تلك الأثناء، مطلع الثمانينيات، كانت الرقابة على المسرح مشددة وكان عرض أي عمل مسرحي يتطلب موافقة مستشار الشئون الثقافية والتعليمية، ومع ذلك لم يعترض أحد على مسرحية شكسبير وكما هو الحال مع مؤلفات بيتهوفن وتولستوي فقد كان شكسبير بالنسبة لهم فناناً كونياً.
سافرت إلى بوخارست لتولي مهمة الإخراج فوجدتها تشبه المحاكاة الكئيبة لرواية ماننينغ «باريس الشرق» ورغم أن ثمة زلزالا كان قد ترك وراءه قطعاً من مبان اسمنتية عملاقة ملقاة على الأرصفة ودعامات من القضبان الحديدية الصدئة تطل من المباني المتهدمة كالهياكل العظمية.
إلا أن الزلزال الذي أحدثه شاوشيسكو كان أعظم أثراً. كان قد محى قريً بأكملها لكي يسكن الفلاحين في وحدات شاهقة، وأزال الجادات لكي تستقيم الطريق الواصلة ما بين مكان إقامته ومكتبه، كما شيد وحدات من الشقق السكنية الضخمة التي تقود إلى أحد القصور الغرائبية التصميم التي يحيل مظهرها الخارجي إلى البشاعة.
أثناء بناء هذا القصر المعروف باسم، أوز، كشف عمال البناء عن حاجتهم إلى المزيد من الذهب ليتسنى لهم تصميم مقابض الأبواب وصنابير المياه وهو ما تم تعويضه على نحو توليفي بالرخام. في ذلك الحين كان مئات العمال الفاقدو الحس من شدة البرودة والتعب يتساقطون من فوق الصقالات الرديئة الصنع.
وبينما كانت سحب الغبار الرمادية تلفها أثناء فترة النهار، كانت بوخارست تغط في الرطوبة والظلام أثناء الليل، حين تطفأ أنوار الشوارع ونوافذ المحلات التجارية توفيراً للطاقة المستخدمة لأغراض صناعية. ولم يكن البقاء لفترة طويلة، تصل إلى الساعة العاشرة مساءً، مسموحاً إلا لدور السينما والمطاعم والمسارح.
وكما يحدث لي باستمرار، لم أكن قادراً على الالتزام بكل شيء، فأسندت مهمة الإخراج إلى مخرج روماني شاب. في حين تولت مهمة مراجعة النص إحدى اللجان الثقافية المؤلفة من 25 عضواً من البيروقراطيين الذين لفت انتباههم كل من الترجمة الشديدة «المعاصرة» والإخراج المثير.
ومن ثم فقد قام أحدهم بمناشدة المفوض قائلاً: «الواقع أنه لا يمكنكم إيقاف عرض مسرحية شكسبير. نرجو منكم الاهتمام بالأمر». ولشدة دهشتي فقد أجيز النص: كان الخوف من الاتهام بالتخلف قد تجاوز كل شيء حتى الرقابة.
عندما تسنى لي الإطلاع على هذا العمل بعد مضي سنوات كانت المسرحية تعرض في أحد المسارح غير المجهزة بشكل جيد حيث المقاعد غير المريحة التي كان يجلس عليها المتفرجون الذين كان بعضهم يجلس جاثماً ملتصقاً بحافة الخشبة.
على الرغم من أن كل من الرمزية والمجازية قد تحولت الآن إلى أشياء مهمة، من صميم أي عمل مسرحي، إلا أن هذه العناصر كانت الجوهر الأساسي للمسرح الروماني في تلك المرحلة الغابرة.
حيث اللغة المشتركة والقواعد التي يتم من خلالها تحويل الأفكار إلى تعبيرات ناطقة، أفكار يتم تضمينها ومشاعر يتم تجسيدها على المسرح؛ كان المسرح الوسيلة الوحيدة التي يتم من خلالها التعبير عن الاختلاف في الرأي.
كان يجسد الإلهام، ولم يكن ما حدث في ثورة سنة 1989 قد وقع مصادفة، كان خطاب الممثل الشاب كاراميترو قد أشعل شرارة في نفوس تلاميذ المدارس والشباب شرارة الثورة في الوقت الذي كانوا يبحثون فيه عن قائد، وقد وجدوه في هذه الشخصية - كان حلمه قد حوله إلى جنرال : أنا ورجالي في خدمتكم.
ونزولاً عند عبارته، تقدم الجميع إلى محطة التلفزيون، وبعد فترة من القتال العنيف اكتشف أن أستوديو الأخبار لم يكن يسيطر عليه سوى رجل أمن واحد كان يخشى حتى رفع يده بالتحية. وإذا كان هناك من يشكك في الدور الطليعي الذي يلعبه الفن كما يدعي جون كاري في سؤاله: ما هي الفوائد التي ينطوي عليها الفن ؟ فإن ما حدث هنا سيكون بمثابة البرهان.
على الرغم من أنني عدت إلى بوخارست مؤخراً. لكي أجد الشوارع مضاءة، والأنوار الساطعة للوحات الإعلانات التي تتسابق في الظهور على واجهات الكازينوهات تخترق الشوارع وبدلاً من سيارات الداكيا الوحيدة التي تجوب شوارع المدينة كانت شوارع المدينة تزدحم بالسيارات الأوروبية المستوردة، إلا أنني وجدت الحنين إلى مرحلة ما قبل الثورة.
الكثيرون يتوقون إلى تلك الأيام التي كان ينعم فيها الناس بالأمن الوظيفي، لم تكن البطالة معروفة لدى هؤلاء، كانت الخدمات الصحية متوفرة، وكانت مشاعر الحب والإخاء المترتبة على تلك التجربة الموحدة المفروضة من قبل النظام السياسي تشمل الجميع.
رغم أنه كان قد تراءى لي أن المسرح الروماني الجاد، فقد سلطته الحقيقية التي استمدها من القمع. وأن إهمال أشياء كالأولويات المهمة التي تضعها السلطة لنفسها، وانصراف الجمهور عن المسرح بسبب ظهور عناصر جذب أخرى، والتوجه نحو اقتصاد السوق ربما لعبت دوراً مهماً في تقليص الدور الذي يلعبه المسرح في حياة مواطني بوخارست بنفس الكيفية التي قضى من خلالها على الدور البارز الذي لعبته المجلات الصغيرة بتقليص عددها إلى حد ملفت.
إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث في قطاع المسرح. أبواب المسارح لا تزال مفتوحة، لا أحد من الممثلين فقد وظيفته، أسعار التذاكر بقيت مخفضة كما هي وعلى الرغم من تقلص حجم الجمهور إلى ما يقارب 10 % إلا أن حجم الإقبال على المسرح لا يزال بنفس القوة. في حين يبدو خروج الجمهور عن المألوف وحنينه إلى النموذج الذي كان عليه مسرح بوخارست قبل السقوط، النموذج الذي وصفته ماننينغ في رواياتها واضحاً.
ريتشارد أير ـ الغارديان
ترجمة: مريم جمعه فرج
