كانت نائب محافظ، لكنها اختارت السبيل الصعب في ظروف صعبة، تحدت الحصار، ورفضت الانصياع للشعارات المحبطة، جابت الحدود الليبية كمن يحمل أسفاره، زادها الأمل والحماس والرغبة في التواصل.
أسست دار نشر وتوزيع لتصدر الكتاب وتستورده، في وقت يشكل الكتاب فيه بضاعة كاسدة. فعن قدرتها على حل معادلة هذا الكساد، وكيفية تجاوزه إلى النجاح تتحدث عبر الحوار التالي:
٭ هي فاطمة محمد حقيق صاحبة دار نشر ومكتبة توزيع في ليبيا تبدأ حديثها بفخر غامر لكونها افتتحت مشروعها كما تقول خامس أيام الحصار على بلدها ليبيا في 15 ابريل 1995 وافتتحت مشروعها في العشرين من ابريل، وتضيف:
مشروعي ذو شقين الأول أن انشر وأوزع واصدر للخارج، والثاني أن استجلب كتبا من دور نشر من خارج الجماهيرية، وبما أن مشروعي قد جاء في وقت عصيب جدا فما بالك إذا كان المشروع ثقافياً أيضا.
لكن أدركت أن مشروعي يحتاج إلى تبادل وتواصل لأنه ثقافة، والحصار قد طوق كل شيء وكل الاحتياجات بما فيها الثقافية. لكني قمت بمجهود جبار لكي انجح في مشروعي الذي ربما نجح بشكل اكبر لو الظروف كانت مختلفة عما كانت عليه.
ولكنت انتشرت أكثر وقدمت أكثر، لكن مع ذلك فإنني اعتبر قد نجحت وتوفقت بفضل الله، ولو كان ما قدمته في بيئة أخرى مع إمكانياتي ومجهوداتي التي وظفتها لكان عطائي أكثر، ولأضيفت لي إمكانيات اكبر لكن لله الحمد تجاوزت هذا كله.
ونجحت في توظيف دخل الكتب العلمية والأكاديمية وهو ما نسبته 75% لصالح الــ25% وهي نسبة الكتاب الثقافي، فقد كنت أنفق على النسبة القليلة من دخل النسبة الكبيرة.
٭ وعن كيفية الأسلوب الذي اتبعته لانجاز مشروعها تقول:
كنت ابتكر طرقاً ووسائل لإيصال الكتاب إلى القارئ الصغير أولا، وهو الطفل حتى إني كنت أقدم الكتاب مجانا للطفل، بأن أمنح خمسة كتب لكل من يشتري كتبا علمية من الكبار، وذلك لأساهم بتنمية عادة القراءة لدى الطفل، وهي الخطوة الأهم التي اعتبرها الركيزة في بناء العقل الواعي.
وتضيف: أنا لكي أحافظ على هذا الصرح الذي أديره، والممتد على مساحة 1200 متر، كنت أجوب الحدود مرتين في الشهر، فقد كنت حديثة العهد بالنشر والتوزيع وأنا بحاجة لاكتساب الخبرة.
وعلي أن اخرج خارج نطاق القطر، وكان ذلك من خلال الشقيقتين، تونس من جهة، ومصر من جهة أخرى، وبمعدل مرتين في الشهر لأني بحاجة لحضور المعارض، ولذلك لابد أن أكون خارج الجماهيرية بشكل متكرر.
أما مغامرتها برأسمالها في مجال الثقافة التي حملت شعار »لا تطعم خبزا« فتقول في ذلك: الحقيقة قد يكون إصراري على هذا المجال المشروع نابع من رغبتي الشديدة، وعلاقتي الوطيدة بالكتاب، لأنني مارست العمل في مجال الكتاب بدءا من الجامعة.
حيث كنت في المكتبة المركزية بجامعة الفاتح وشعرت وأنا موظفة بنقص ما هو مطروح في العالم من كتب ومعلومات في هذه المكتبة، إلا أن علاقتي العميقة بالكتاب بنيت من صغري.
حيث اشعر بحاجة الطلاب إلى ذلك والكتاب هو الكائن والإنسان الوحيد الذي إذا قرأته ولم اتفق معه ووضعته على الرف فانه لا يخاصمني أو أخاصمه انه لا يطعم خبزا، لكنه يطعم عقلا،ذلك الذي سيجلب الخبز.
أما عن العلاقة المشتركة بين الثقافة والاقتصاد فان الكتاب الثقافي في العالم العربي كافة باهظ والقراء من المثقفين فقراء حقا، ولكن بمشروعي هذا، ركزت لخدمة هؤلاء الفقراء، بحيث أوظف دخل الــ75% من الكتاب المنهجي المقرر في الجامعات، لتزويد الكتاب الثقافي.
لان الطالب مجبور على شراء الكتاب الأكاديمي، لذلك اتجهت إلى الكتاب العلمي الأكاديمي لأغطي الخمس وعشرين في المئة، وهي حصة نشر الكتاب الثقافي والأدبي، وأتمكن من أن اصرف عليه خاصة إنني التجأت إلى إحياء عادة القراءة.
وذلك بتسهيل تعاطي الكتاب، حيث أقدم خمسة كتب مجانية للطفل لكل من يشتري كتبا علمية وأكاديمية بملغ معين، وقد أكون ساهمت بتحبيب الطفل في القراءة بهذه الطريقة، حين يجد الكتاب أمامه في البيت لابد أنه سيتناوله ويتصفحه.
وهذا يكفي مبدئيا حتى يألف العملية، هذه طريقة، والطريقة الأخرى، أني قمت بتوزيع الكتب على سيارة أو »مكتبة متنقلة« تجوب المصايف في الإجازات لبيع الكتب على التلاميذ بطريقة محببة.
فإذا لم نهتم بقراءة الأجيال المقبلة، فإننا نساهم بتلاشي الوعي والثقافة، لذا لابد من تدريبهم، وتربية هذه العادة فيهم.
أؤمن في وقتنا الحالي بضرورة تسخير التجارة لخدمة الثقافة، لكن أصحاب الأموال مقصرون في هذا الجانب، وعليهم دور أكبر لبذله في سبيل هذه الخدمة الحضارية، فالثقافة ليست كتابا فقط، بل هي أكثر وأوسع من ذلك، وهي تستوعب كما من المساهمات المستمرة. وعن نفسي قدمت نسبة كبيرة من تجارتي للثقافة.
ولكوني سيدة أعمال فان مشروعي لخدمة الثقافة، يعتمد على ضرورة تربية عادة القراءة عند الطفل كهدف أولي وأساسي. فأنا ليس لدي مشروع شخصي فيما يتعلق بالاقتصاد، فما يعنيني هي الثقافة.
وقد قدمت طرحا إلى الحكومة في بلدي، بإقامة سوق عام أول »سوق الجماهيرية الثقافي« وهو عبارة عن ادوار، في كل دور مرفق ثقافي، ويزود بالمكتبات والقاعات السينمائية والمسرح والاتيليهات للتشكيل، بمعنى أن يشتمل على كل ما يمت للثقافة بصلة، وله بها علاقة، على أن يضم الدور السفلي مقهى للأدباء والمثقفين.
وبدلا من أن تقتصر المهرجانات الثقافية على فترة زمنية محددة، تنقضي بمجرد أن ينتهي التحضير لها، فإنها تكون مفتوحة طوال العام. لان هناك أسواقاً كبيرة فيها الملابس والأواني والإكسسوارات والعطور وأدوات الزينة والاحتياجات الغذائية والمنزلية في كل مكان.
لكن لا يوجد مركز للثقافة على غرار مراكز التسوق تلك، فكلما ارتقت الثقافة في أي دولة عربية، ارتقى الإنسان والوعي والدخل بلا شك، وسوف لن نبذل مجهودا كبيرا في أي مجال. هذا المشروع المقترح هو الآن قيد الدراسة في بلدي، على أن يكون في كل مدينة سوق عام مماثل..
سوق ثقافي فيه كل ما يتعلق بالثقافة، وكل من يمارس تجارة تخدم الثقافة، لأنه بحد ذاته يكون مشروع اقتصادي في إطار ثقافي. أي ثقافي الطابع اقتصادي التوجه.
حوار: فاطمة محمد الهديدي
