تواصلت في الفجيرة عروض مهرجان المونودراما الثاني بمسرحية »صوت مر« من الكويت التي وضعت على المحك بعد العرض فقد كان على المخرج الدكتور شايع الشايع الإنصات إلى عدد كبير من الآراء والملاحظات التي وجهت إلى عرضه المسرحي »صوت مر« خاصة وأن هذا العرض لفرقة المسرح العربي في الكويت.
وهي واحدة من أعرق الفرق المسرحية ليس على مستوى الخليج العربي وحسب، حيث قدمت هذه الفرقة العديد من العروض التي ذاع صيتها، إلى جانب أنها دفعت إلى الساحة المسرحية بالكثير من الأسماء على مستوى الإخراج والتمثيل وغيرها من عناصر العمل الفني.
عراقة هذا المسرح الذي يعود إلى ستينات القرن الماضي لم تظهر جلياً في عرض ليلة أمس الأول، حتى المخرج نفسه صاحب الخبرة الطويلة في العملية المسرحية. مهنياً وأكاديمياً، لم يكن موفقاً، كما كان يتوقع.
ولعل جملة هذه الانتقادات التي وجهت للعرض لم تكن إلا نتيجة للقناعات المسبقة لدى الجمهور والمسرحيين انهم سيشاهدون عملاً غير مألوف ويتناسب مع كل الشروط التاريخية والفردية لفرقة المسرح العربي في الكويت.
يمكننا القول أن المشكلة الأساسية في هذا العرض تكمن في مساحة الاشتغال والبحث في مفرداته وحلوله الفنية التي جاءت تقليدية، ولم تقدم للمتلقي، تلك الفضاءات التأملية، على مستويي الشكل والمضمون الذي يطرح قضية إنسانية عن المرأة والحرب.
ومعاناة النساء بصورة عامة في تحمل تبعات الحروب وآثارها المدمرة، وهي حروب في نهاية المطاف يختلقها الرجال مدفوعين بشعور العظمة والسلطة التي يساء استخدامها.
النص المأخوذ عن رواية »صوت ماريا« للكاتبة ليديا هوداك، تم تطويعه ونقله من معالجته لويلات الحرب بصورة عامة، إلى واقعة مباشرة متعلقة بالغزو العراقي للكويت، غير أن عملية الإعداد أو مسرحة هذه الرواية، لم تستطع تخليص النص من سطوة الرواية، التي فرضت حجماً سردياً أعاق بصورة ملحوظة التفعيل من اللحظات الدرامية، وتحول العمل إلى سرد متواصل لحكاية الأختين اللتين تعرضتا للاغتصاب الأولى تحمل وتلد وتموت.
والثانية تتخلص من حملها لكن يقع على عاتقها قرار تبني وليد أختها، بكل ما يعنيه هذا المولود، وبكل ما يشكله من براءة، هو صراع إنساني عميق، ومقولة جدلية تتحمل الكثير من الاشتغال، لأن الفكرة تتيح ذلك.
لكن المخرج والمعد لهذا النص، انشغل عن جوهر الأزمة نفسها، في تجسيد مسببات هذه الأزمة، الحرب، والجنود، والاعتقال، وهي مفردات تم إدراكها مسبقاً ومن لحظات العرض الأولى، الأمر الذي أدى إلى افتقاد المتلقي العنصر الإشكالي الحقيقي والمشوق في العمل الذي التهمت الماضوية، وسردية الحديث عن مقدمات الأزمة الجزء الأكبر من العرض.
حاول المخرج أن يقدم جملة الرؤية، خاصة فيما يتعلق بالشاشة التي تتوسط خلفية العرض لتكون مساحة تتحرك فيها الصور، صور الذاكرة، والأحداث، المعادل النفسي، إلا أن ثمة علاقة موضوعية.
ومتماسكة كانت مفقودة بين الحين والآخر، بين الممثلة وهذه الشاشة، خاصة في بعض المشاهد التي يتحد فيها الفعل الدرامي بينهما، لكنها كانت محاولة للبحث عن معادل بصري يغني العرض.
وهذه الحلول لم تسهم في دفع الفكرة الداخلية والأزمة النفسية إلى الخارج. وبقينا نعيش على سطح هذه الأزمة. ومما ساعد على ذلك الممثلة الشابة والموهوبة ديانا الشديدي، التي بذلت جهداً وطاقة هائلة على الخشبة.
وكان على المخرج ألا يترك هذه الطاقة تضيع في مساحة من الصراخ والتشنجات، التي كانت الممثلة تعبر فيها عن الحرب، ودخول التتر وإلى ما هنالك من صفات للجيش الغازي، ديانا الشديدي كان على عاتقها حمل ثقيل ولعل الموهبة التي قدمتها على الخشبة كانت ستساعدها على تحمل هذا الثقل، لكن كان جلياً أن الحجم القولي.
والسردي الذي كان عليها تقديمه، أعاقها عن التعبير، وظلت طوال العرض أسيرة للنص، وليس للفعل، بمعنى أنها كانت تروي الفعل قولاً، وتتبعه هي، تجسيداً، دون لحظات تأمل، أو رمزية، أو مساحة غموض تشاغل العقل.
وتترك له فرصة تخيل صورته البصرية الخاصة، نظراً لحجم وسائل الإيضاح، في الوقت الذي تركت فيه مجموعة من الأدوات المسرحية على الخشبة دون تفعيل حقيقي وملموس لحضورها.
إن الأزمة الحقيقية في العمل ليست في ممكناته الفنية، بل في النص الذي فرض حضوره على العمل، وكان على الجميع اتباع سطوته، وليس العكس، أي أن المخرج والمعد، لم يعمدا إلى المشاركة، ولم يحاولا أن يكونا نداً لعملهما.
عودة إلى الندوة التطبيقية التي تلت العرض وبكل روح مسرحية وإيمان بأن هذه الانتقادات تقال من مسرحيين محبين وأصدقاء، قام كل من المسرحي الكويتي المعروف عبدالعزيز السريع.
والمسرحي فؤاد الشطي مدير فرقة المسرح العربي ليؤكدا على انتقادات ضيوف المهرجان، ويدعوا المخرج إلى التأمل في عمله، والاستفادة من جميع الآراء التي قيلت.
حازم سليمان