بين تشيلي واليونان مسافة جغرافية كبيرة، حتى مهرجان الفجيرة الدولي للمنودرما لم يستطع التقريب بينهما، فكان على الجمهور الارتحال والتنقل من دبا إلى الفجيرة لمشاهدة العرض التشيلي.
والعودة من جديد إلى مسرح دبا الفجيرة لمشاهدة العرض اليوناني، إلا أنه كان ارتحالاً محبباً، شحن بداية برغبة المشاهدة، ثم شحن بجمالية العرض التشيلي، وشحن ثالثاً بخصوصية العرض اليوناني، الذي ترك لدى مشاهديه مشاعر وانطباعات متناقضة.
»جون بادان يكتشف أميركا« هو عنوان العرض المسرحي التشيلي المستمد من المسرحية الشهيرة لحامل نوبل للآداب داريوفو اكتشاف أميركا.. ومن المعروف أن هذه المسرحية من الأعمال التي قدمت مراراً وتكراراً على خشبات المسارح العربية والعالمية.
لكننا شهدنا مساء أول من أمس مختصرة إلى شخصية واحدة رغم كل الشخصيات الموجودة في العمل الأصلي، مختصرة ومؤلفة بأسلوبية جديدة وفريدة لتتناسب مع خصوصية هذه التجربة التي قدمها على الخشبة الممثل ألفارو سولار، وأخرجها فريركو كينيرو.
تروي هذه المسرحية بحلتها الجديدة حكاية الشاب جون بادان الذي هرب من إيطاليا في فترة استعار محاكم التفتيش في أوروبا، على إحدى سفن كريستوفر كولمبوس البحرية في تلك الرحلة التي وصل فيها إلى أميركا دون أن يعرف أحد أنها أميركا، بل كان الاعتقاد كما هو معروف، أنها الهند.
ومن المفارقات المضحكة ان كولمبوس كان قد سبق له الذهاب لأكثر من ثلاث مرات إلى هذه القارة الجديدة التي سميت أميركا فيما بعد، ومات وهو يعتقد أنه ذهب إلى الهند.
هذا العرض المستند إلى نص مليء بالشخصيات والأحداث والمقولات التي تُعري الأساس الذي بنيت عليه هذه القارة التي كان مقدراً لها ابتلاع العالم فيما بعد ألا وهو العنف والقتل.
والإبادة الوحشية بحق الهنود الحمر، سكانها الأصليين، قدم لنا بتجريدية خالصة، فليس هناك على الخشبة إلا بضع أدوات بسيطة وآلات موسيقية.
وممثل لم يكن بحاجة لأي شيء، لا إضاءة ولا موسيقى ولا سينوغرافيا، لم يكن هناك على الخشبة إلا هذا الممثل الذي كان هو كل شيء، وكانت لديه القدرة ليكون كل شيء.
عبر مدة العمل التي تجاوزت 45 دقيقة، استطاع هذا الممثل السيطرة على الصالة تماماً، في لعبة من تفعيل الخيال والإيهام، منتقلاً من مشهد إلى آخر ومن حالة إلى حالة عبر رحلته البحرية التي بدأت من ميناء البندقية وصولاً إلى القارة الجديدة، والرحلة الطويلة هذه تجسدت مع هذا الممثل الذي عزف.
وغنى وقدم المؤثرات الصوتية بفمه، وجسده، ولخص المعارك، والحوادث، عبر أدواته الخشبية والزجاجية، ونزل في غابات القارة الجديدة، وكان قادراً على خلق غابة بكل ما فيها من طيور وأصوات وكائنات.
لعب هذا الممثل الشامل، والممتلك لأدوات وإمكانيات عديدة ومتنوعة، ركزت على فن الدرامالوت، وهو الفن الذي يعتمد أساساً على تفعيل طاقة المتخيل عند المتلقي، وتعطيه تلك الشحنات والمؤثرات المتلاحقة التي تساعده على تحويل ما يراه أو يسمعه إلى صورة بصرية متخيلة دون ضرورة أن يراها على الخشبة.
وتستند هذه اللعبة، إلى استحضار المهارات التي كان يتمتع بها الممثلون الرحالة الذين كانوا يجوبون البلدان والقرى ويعرضون في الساحات العامة، بكل ما يمتلكون من مهارات، في العزف، والرقص، والغناء، والبهلوانيات، وتجسيد الأصوات.
ومن هنا فإن العمل لم يدخل أبداً في لعبة الأداء الدرامي، بقدر ما عاد بنا إلى تلك الأسلوبية في العرض، التي تتقارب كثيراً مع الحكواتية، لكنها هنا مقترنة بالتشخيص والتجسيد، والاستناد إلى المهارات الخاصة والعديدة.
ولذلك فإن هذا العرض قدم لنا خصوصية حقيقية، عبر عرضه لفن جديد من فنون الفرجة، التي حملها إلى جانب مهاراته في الأداء، جملة من المقولات غير المباشرة عن هذه القارة الجديدة، وكان على هذا الممثل لأنه يلخص تلك الرحلة أن يتحدث بألسنة الخليط التي شارك بها.
ومن ثم الخليط التي تكونت منها أميركا فيما بعد، الإيطالية، والاسبانية، والانجليزية، والألمانية. إنها عرض لن نقول مسرحيا بالمعنى الذي نعرفه، بل هو تجربة خاصة ومتفردة لفن الممثل الواحد الشامل.
نيللي تأخذ كلبها في نزهة
أنا شخصياً لم أستطع حتى لحظة كتابة هذه الأسطر عن العرض اليوناني نيللي تأخذ كلبها في نزهة، الخروج بمرتكزات أساسية تساعدني في التحدث عنه، خاصة وأن هذا النوع من العروض الذي ينتشر في أوروبا حالياً، أو فيما يروق للبعض تسميته بمسرح ما بعد الحداثة، عامداً أو منتقداً، لا يدخل في لعبة التقاطع مع عواطف المتلقي.
ولا يعنيه بالمطلق شحنه عاطفياً وذهنياً، وتحميل مخيلته في الدلالات والأسئلة التي يمكن للمتلقي الخروج بها من الصالة. وهي تجربة ليست بالسهلة، ولعلها تكشف عن مغامرة حقيقية، في التعاطي مع الجمهور، فالمسألة هنا مسألة عقلية بحتة، ومجموعة كبيرة من الرموز، والمقولات.
والمشهديات، التي تكثف اللحظة الدرامية أو لعلها تلمح إليها، وتقدم صورة فنية مجردة، وتعيد تكرارها، بأكثر من شكل وذلك لإجلاء القيمة الجمالية لهذه الصورة المجردة.
المسرحية ناطقة باليونانية وبعض المقاطع التوضيحية باللغة الانجليزية وكما قالت مخرجة العمل إلين بنجا تعتمد أساساً على القيمة الفنية للمنولوج لفترة ما بعد موت إحدى أهم المصورات الفوتوغرافيات في القرن العشرين اليونانية إيللي سيرايداري، والمعروفة عالمياً باسم نيللي، وقد عرفت هذه المصورة بالتقاط صور الراقصين العراة أمام النصب التذكارية القديمة، مطلع القرن العشرين.
وتلخص المسرحية حياة هذه المصورة بمواجهة الحضارة اليونانية الحديثة من تحت الأرض، وفي منطقة الأنفاق حيث نراها تتكلم مع المارة، وتوصل لهم انطباعاتها عن الماضي والعالم الذي رأته من وجهة نظرها كمصورة، كما يتحرك العرض على مقاطع وقصاصات سردية من سيرتها الذاتية، وحساسيتها الفنية الخاصة وآرائها القوية.
العمل يعتمد على القيمة المباشرة للقول، والنص المكتوب، دون التلاعب بهذا النص، كسره أو التفعيل من عناصره الداخلية، لأن قصديته لا تهدف الدخول في لعبة التحليل النفسي.
والثاني تحميل الشخصية المؤدية مقولات درامية وأدائية على مستوى الحكي والحركة، بل كان العمل يتحرك وفق إيقاعين متوازيين يتقاطعان أحياناً، بين الفعل القولي على الخشبة.
وبين المشهديات البصرية التي تظهر على الشاشة الخلفية للمسرح، حيث أعيدت صياغة مجموعة من صور هذه المصورة، لتشبه الإعلانات التجارية، كناية عن التسليع والعبث بالمقولات والأهداف التي عاشت لأجلها تلك المصورة مثل الحرية.
والجمال، وعلى ما يبدو أن هذا العرض كانت له شروطه الفنية والأدائية التي يصعب توفرها، نظراً لخصوصية مكان العرض، وخاصة في العمل على التأكيد على قيمة العري، كتعرية للكثير من القيم البائسة.
وربما كان يفترض على الراقصين استخدام نوعية من الملابس الجريئة التي لا يمكن اعتمادها لأسباب اجتماعية وأخلاقية، لكن هذه القيمة تحولت عبر العرض إلى دلالات قولية ولفظية عبر حديث المصورة التي جسدت شخصيتها الممثلة ناتاليا دارغيوم مع الناس، خلال جولتها وهي تنزه كلبها الذي أضاعته في نهاية العرض.
وبصورة عامة كنا أمام عرضين على درجة من الخصوصية، الأول تنوعت مهاراته واعتماده على الممثل بأدوات غنية متنوعة، وبالتالي راهن علي التقشف وعلى تجريد الصورة الفنية.
حازم سليمان