دوافع عديدة وراء انسحاب الفنان التشكيلي المصري «محمد عبله».. هذه المرة إلى زمن الطربوش والعيلة الكبيرة، منها ما هو سياسي واجتماعي منها ما هو فني.. فيكاد «عبله» أن ينفرد بأنه يستطيع أن ينقلنا بألوانه وخطوطه، إلى مكان القلب في المشهد اليومي الحياتي، ليس فوتوغرافيا طبعا، بكاميرا فوقية تتحلى بالعدسات التكنولوجية والفلاتر المبهرة، لكن بخطوط تعيد لفن الرسم تألقه وجزء من مجده التليد، قبل أن يسحقه جنوح ما بعد الحداثة، فعالم «عبله» الفني أبطاله من الناس في حركتهم وحيرتهم وصمودهم اليومي، بما يحمله ذلك من دلالات ومعان رمزية وإشارات واضحة دون إدعاء أو قيم جمالية خادعة.

«نوستالوجيا».. هو عنوان معرض محمد عبله (1953) الأخير والمقام حاليا بقاعة الفن بالزمالك، ويأتي امتدادا طبيعيا لأسلوبه التلقائي البسيط الباحث عن الصدفة والذي انتهجه بعد احتراق مرسمه في بيت الفنانين «المسافرخانة» قبل عدة سنوات، وكأن الحريق والتهام لوحاته كان دافعا أساسيا لنهج من البساطة المتناهية كمحطة تحول حياتية قاسية، وإن كان «عبله» قد شحن لوحاته في معرضه السابق بعبارات مباشرة محددة وقاطعة تعكس حيوية المشهد في الشارع..

ومنها «الشعب في أزمة خانقة»، «حكوماتنا العربية تتفرج»، فهذه المرة انسحب قليلا لصالح تصوير لقاءات حميمة بين الأهل والأحباب والأصدقاء وشركاء الوحدة والصف الواحد، حيث سافر في الزمن إلى الوراء والماضى القريب زمن الطربوش فيما يشبه الهروب من واقع مؤلم محبط إلى الرمز والإسقاط، وذلك خلافا لمعرضه السابق الذي قدم فيه معادلا موضوعيا فكريا لعناصر المشهد الحياتي في توافق بين القيم الجمالية الذاتية الأصيلة وعناصر وتفاصيل الواقع اليومي المأزوم في المدينة!.

وهو ما يفسره «محمد عبله» بقوله: «جاء هذا المعرض نتيجة لجدل شخصى مع الواقع في الشهور الأخيرة من عمر مصر التي شهدت الكثير من الحركة والفوران. فقد ألقيت بنفسى داخل هذا الجسد المنتفض وتعايشت مع حركته ودورانه في ميادين وشوارع المدينة أمام تساؤلات كثيرة عن الجدوى والهدف والمستقبل أجدني بلا إجابات وأجدني أمارس طقوسا قديمة مقدسة.. وأحاول مقايضة الواقع بالحلمِ!!.

وعندما اختار «عبله» الرجوع إلى الوراء بتصويره لايقاع الناس السكوني واستدعاء رمز كالطربوش، لم يكن يقصد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بل إنه السفر في الزمن، مستخدما تقنية الاختزال وكسر الإيهام الذي يحدثه تمثل الواقع كما هو في العمل الفني، فقد تخلى عن الحبكة والتجسيم لصالح اسلوب بسيط، يكشف عن التقاء «محمد عبله» مع تيار حركة الثمانينات تلك الحركة التي التقت فيها أفكار عدد كبير من فنانين من دول شتي خاصة دول العالم الغربي، حيث تجمع شباب الفنانين الذين انضووا تحت راية حركة الثمانينينات حول منطلقات ذات نزعة تلقائية تعبر عن اللحظة والواقع الآني بعمق بصرف النظرعن الأسلوب والشكل وطريقة التناول بهدف تجاوز النمطي الجاهز.

أدهشنا «عبله» بالصداقات التي عقدها بين أبطال لوحاته، أو بين أبطاله والطبيعة، وكأنه يطلب إعادة الود بين أطراف تشكل علاقاتهم مشروعات أزمات مزمنة، كعلاقة الأجيال بعضها البعض، والشيخ والقسيس، ورجل الشارع والزحام، ورجل الأمن والناس والراقصة والأسطى، المعلمة من جهة والزبائن من جهة أخرى، وفرض على شخوص لوحاته شرط المساومة حيث تساوي نصيب كل فرد داخل إطار لوحاته في الموقع والمساحة وإن تميز أحدهم فبسبب جمالي فقط!.

وكانت الحياة التشكيلية قد عرفت محمد عبله الذي تخرج في كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية العام 1976 بعد عودته من جولة في عدة عواصم أوروبية مع منتصف الثمانينات فاستقل مركبا في النيل حتى آخره مع المراكبية كواحد منهم.

القاهرة ـ سيد هويدي: