عندما كتب الروائي المغربي محمد شكري رسالته للناقد والروائي محمد براده قائلاً فيها أنه سيغير حياته بعد خروجه من مصحة الأمراض العقلية، أجابه الأخير في رسالة أخرى »ليس مطلوباً منك أن تغير حياتك، وإنما أن تكتب حياتك«.

وبالفعل فقد كتب حياته، لكن عندما يتذكر أشخاص مثل شكري وكثيرون حياتهم بصدق فإنهم يتحولون إلى شخصيات تشبه السحرة، فهم يقدمون حياتهم بتقنية روائية كالخلطة السرية يمتزج فيها الواقع بالخيال لكي يورطوا القارئ حين يضع أي منهم بين يديه مؤرخاً موضوعياً ومبدعاً روائياً لا يفصل أحدهما عن الآخر.

غير أننا عندما نتذكر كتابات محمد شكري فإن هذه تذكر أيضاً بأن فن السيرة الروائية، هذا النوع غير المستجد في عالم الأدب ليس فناً تقليدياً جامداً وأن الكثير من التطور قد طرأ عليه كإبداع .

وفي حين تدشن كتابات شكري تطوراً جديداً لهذا النوع في الأدب العربي منذ مرحلة طه حسين الذي اشتهر به في فترة ما من عمر الأدب الحديث، يشهد الأدب العالمي تطوراً ملحوظاً على أيدي كتاب كبار متعددي المواهب، متعددي الإصدارات منهم على سبيل المثال المسرحي الإيطالي، داريو فو، عميد المسرح العالمي الذي سبقه في ذلك البعض من أمثال آرثر ميلر مؤلف منعطفات زمنية.

وعلى الرغم من خوض الأديب والكاتب والسياسي النيجيري وول سوينكا هذه التجربة سابقاً إلا أنه يعود إليها مرة أخرى في كتابه الأخير ينبغي أن تبدأ رحلتك ساعة الفجر .

في هذه الكتابات يتذكر هؤلاء حياتهم بأمانة دون أن يكون ذلك استعادة حرفية لها لكي يقدموا لنا الماضي بصياغة معاصرة . تجارب استثنائية على مستوى الأحداث، والمستوى الروائي الفني، وعلى مستوى الأشياء التي أثرت في إبداعاتهم وجعلتنا نرى العالم في أعين أطفال وروائيين كبار في آن واحد.