هي «الليلة الأخيرة» تتكرر للمرة الثانية في مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما برؤية إخراجية وأدائية جديدة، بعد أن كنا شهدنا النص ذاته لمؤلفه محمد سعيد الضنحاني، مع المخرجة والممثلة الليتوانية بروتي مار مساء الأربعاء الماضي لتحقق هذه الخطوة متعة خاصة، متعلقة برؤية عمل واحد يُعرض بشكلين فنيين مختلفين تماماً، ولتنفتح أمامنا رؤية جديدة ومغايرة للعمل الواحد، ولنتشارك مع مخرجتي زوايا مختلفة في طريقة التعاطي مع العمل الفني، وآلياته ومتناقضاته في تجسيد نص واحد على خشبة المسرح.

وإن كانت المقارنة لا تجوز لأننا شهدنا تجربتين مختلفتين تماماً لكل واحدة منها ما يميزها عن الأخرى ويجعلها كينونة إبداعية مستقلة إلا أن الانطلاق من الذهنية المتعلقة بهذا التعاطي تظل واردة كمفتاح لدخول العرض الجديد الذي تصدت له الفنانة المغربية لطيفة أحرار إخراجاً وتمثيلاً، ولم تنزلق في فتنة التشخيص بل اكتفت بالتعامل الدلالي المدروس مع العمل الذي قننت في مفرداته، وكثفت في مقوماته الفنية، وخلقت ذلك المعادل البصري والذهني الإتكائي المتمثل بقصائد الراحل نزار قباني.

نجد أن لطيفة أحرار دخلت في اللعبة تماماً، أي أنها قدمت النص من داخله، مقتحمة عقدته وإشكاليته النفسية المتمحورة حول العلاقة المرضية والمدمرة التي قد تنشأ بين الأب وابنته حين تتحول هذه العلاقة إلى رغبة في التملك والسيطرة وتعطيل استمرارية حياة الابنة لمجرد أنها تشبه والدتها المتوفاة والتي كان الأب يحبها كثيراً.

لم تخرج لطيفة أحرار عن لعبة التقنين أيضاً. لكنها وعبر أدواتها وديكورها البسيط جداً فتحت الباب على مصراعيه وبذكاء شديد على الدلالات التي تنوعت، والتوظيفات العديدة التي وإن كانت قدمت حلولاً جميلة وشيقة. إلا أنها ساهمت بشكل وبآخر في إلغاء تلك المسافة الغامضة والمبهمة بين عقلية المتلقي والعمل، غير أن هذه الحالة لم تكن إلا تأكيداً على الاحترافية العالية التي تتمتع بها هذه الفنانة وعلى الإمكانيات الإخراجية التي حولت النص المكتوب إلى مساحة بصرية وسينوغرافية مغرية وشيقة.

ولعل أهم ما استندت إليه أحرار في عملها هذا هو قراءتها المتأنية للنص المسرحي التي دخلت في أبعاده المكتوبة وغير المكتوبة، لتبدأ هي بدورها في كتابة نصها الجديد كمخرجة أولاً، ثم كممثلة ثانياً، ومن هذا الفهم استطاعت أحرار أن تقود العمل إلى مساحات دلالية جديدة حيث أججت من أزمته، وتعمقت في تحليل هذه الأزمة بأبعاد جديدة، لتتحول سلطة الأب المتمثلة بالحذاء، إلى تلخيص لكل أنواع السلطة القهرية في الحياة، اجتماعياً، وسياسياً، واقتصادياً، ولتتحول العزلة الفردية والمحددة في النص، إلى كل أنواع العزلة الإنسانية، عبر التأسيس لشبكة منظمة ومتداخلة من العلاقات، وإلى تحويل ذكي ولماح لأدواتها البسيطة على الخشبة، إلى أشياء تتجاوز شكلها ووجودها الموضوعي، فسرير الأطفال الذي خرجت منه كولادة أولى، يتحول إلى تابوت، وإلى طاولة لعشاء مأمول مع حبيب وهمي، وكذلك كرسي الإعاقة، الذي صار تلخيصاً للإعاقات والتشوهات المحيطة بها.

لا شك أن مخرجة العمل استفادت كثيراً من حرفية فريق عملها خاصة في مجال السينوغرافيا الذي كونته سناء شدال، والإضاءة التي كان لها حضورها الأساسي في تفعيل إحساسنا بالفعل الدرامي والتي قام بها عبدالحي السفروشني، ومن إمكاناتها هي شخصياً، في التمثيل والأداء الواعي، والمنطلق حقيقة من فهم لما تريد قوله وإيمان بالرسالة الإنسانية التي ترغب في توصيلها.