لم تكن عروض ليلة أول من أمس في مهرجان الفجيرة الدولي للمنودراما، إلا إضافة جديدة ومميزة للحضور النسوي الذي يفرض نفسه وبجودة عالية على عروض هذه الدورة، فبين شجرة الدر، وأحمر ساكن، مصابة بالوضوح، خيط واحد، هو أنه يحمل تواقيع فنانات يقفن على الخشبة تأليفاً وإخراجاً وتمثيلاً، بحرفية عالية، واقتحام متنوع للهموم الإنسانية المعاصرة المؤرقة.
ومن هنا فإن جمهور المهرجان كان مع عرضي «الليلة الأخيرة» «وأنا في الظلمة أبحث» على موعد جديد مع لمسة إبداعية نسوية جديدة، ومع أفق إبداعي تنوعت مفرداته وأدواته التعبيرية، لكنه ظل مرتبطاً بالإنسان وجملة همومه الوجودية التي لا تنتهي.
* الليلة الأخيرة
مسرحية «الليلة الأخيرة» وهي من تأليف محمد سعيد الضنحاني، قصة تتجاوز نفسها كعرض مسرحي مشارك في المهرجان، إلى كونها محاولة لخلق حوارية مسرحية عربية غربية، كون هذا العرض سيقدم برؤيتين إخراجيتين مختلفتين، الأولى التي شهدناها مع الممثلة والمخرجة الليتوانية بروتي مار بدعم من رابطة الممثل الواحد العالمية، والثانية مع المخرجة والممثلة المغربية لطيفة أحرار التي سنشهد عرضها اليوم ولهذه الخطوة جملة من الدلالات والمعاني التي تؤسس لعلاقة حوارية بين المهرجان بصورة عامة وبين النص الإماراتي تحديداً وآفاقه الواسعة عربياً وغربياً، ويمكننا القول إن نص الليلة الأخيرة لمحمد الضنحاني هو أول نص محلي يأخذ طريقه ليرى النور خارج حدود الوطن العربي وبرؤية غربية.
في هذا النص الذي ترجم وقدم باللغة الإنجليزية قصة إنسانية إشكالية حول علاقة المال بالسعادة، وحول العلاقة بين الأب وابنته حين تتحول هذه العلاقة إلى تملك وسيطرة، فالابنة مريم تعيش مأساتها الخاصة بين كل الأشياء المترفة التي تمتلكها في عالم مسيج بقسوة الأب الذي يرفض تزويج هذه الابنة لشعوره بتملكها، ولأنها تشبه والدتها المتوفية والضنحاني لم يشأ على ما يبدو الدخول في عوالم مثل هذه الإشكالية النفسية الفرويدية، بل حاول تأجيج حاجة الإنسان للآخر، حاجة المرأة للحب، تاركاً في النص مجموعة من المفاتيح الدلالية التي تتيح للمخرج حرية الرؤية والعمل بالطريقة التي تناسبه، لكن الرهان ظل على تفعيل البعد الإنساني الشفاف، الذي يمثل دعوة للحب، وهذا ما بنت عليه المخرجة الممثلة بروتي مار لعبتها لتقدم عرضاً متماسكاً، خالياً من تلك الانفعالات المجانية ومحافظة على علاقة خاصة بينها وبين عملها.
لا شك أن المخرجة نظرت إلى هذا العمل من وجهة نظر غربية بحتة. ولذلك لم يكن التركيز في العرض على ما يعنينا نحن كمتلقين شرقيين للعمل. فهمّ المخرجة والمؤلفة كامرأة غربية يختلف تماماً عن هموم المرأة العربية. ولذلك التقطت العمل من زوايا خاصة، لكنها بالوقت نفسه حافظت على خصوصية النص الذي خلقت بين أزمنته المتصاعدة، معادلاً مغايراً عبر قصائد الشاعر الراحل نزار قباني خاصة تلك المتعلقة بالحب الخاص من أي تبعية وأنانية، هذا المعادل البصري والقولي، كان بمثابة رد الفعل على الأحداث والهذيانات التي كانت تعيشها الممثلة في بؤرة الحدث، أو في مساحة الحلم التي كانت تروي لنا فيه معاناتها وهمومها.
اختارت بروتي مار لعبة فنية ذكية لتقديم هذا العرض، فقد حافظت على مساحة ضيقة جداً وخطرة بينها وبين الشخصية. بمعنى أنها فعلت من لعبة القص والحكي، وكانت حريصة على لعبة الراوي أكثر من الانزلاق في التجسيد والتشخيص، فكنا نعيش الحكاية مروية وممثلة وفق لعبة اقتصادية مقننة، فليس هناك مبالغة في أي شيء، الديكور، الأدوات، الإضاءة، الحركة، الصوت. كلها أشياء ومقررات كانت بسيطة ودلالية ومسخرة تماماً لخدمة العمل الذي رافقته مؤثرات صوتية حية مع الموسيقى دانيلاس أوسكس.
ومن هنا أثار هذا العرض اهتماماً من قبل المسرحيين. خاصة وأنه يقدم لنا مخرجة وممثلة استطاعت خوض غمار نص اشكالي بهدوء وبساطة وبكل جلاء ووضوح. وهذا تأكيد على الخبرة التي تتمتع بها هذه الفنانة، وقدرتها على خلق تصاعدية درامية بإشارات بسيطة. وحركات مدروسة دون أن يكون هناك أي شيء مجاني ولا فائدة منه، باستثناء لعبة كسر الإيهام وهي لعبة يبدو أن هذه الفنانة تفضلها، لكنه ساهم بخلخلة بسيطة في عملية التلقي.
* أنا في الظلمة أبحث
من محترف بغداد المسرحي جاء هذا العمل ويحمل توقيع عواطف نعيم مؤلفة ومخرجة وعزيز خيون ممثلاً ومجسداً لهذه التجربة التي تركت العلبة الإيطالية، واختارت لنفسها فضاءً مسرحياً خاصاً في الساحة التراثية الخلفية لمسرح دبا الفجيرة، وهي مساحة كبيرة جداً ومليئة بالمفردات والفراغات التي ألقت على كاهل المخرجة والممثل عبئاً ثقيلاً في السيطرة عليها وضبطها في سياق خدمة هذا العمل المؤرق والصارخ والمؤلم.
عواطف نعيم في هذا العرض قدمت تجربة إخراجية صعبة وفيها الكثير من التحديات، ولعل هذا التحدي من الأسباب التي أعطت العرض خصوصية، خاصة
من ناحية التجريب والاشتغال على ما هو غير مألوف، وهي ميزة المحترفات الفنية التي تتجاوز في أعمالها فكرة العرض المسرحي كعرض، إلى كونه مناسبة لاختبار حساسيات جديدة في العمل المسرحي وسينوغرافيته التي أجاد فيها سهيل البياتي، والإضاءة التي وقف خلفها سنان العزاوي.
هذا العمل المفتوح، كان مفتوحاً في كل شيء بدءاً من المكان إلى النص المتشظي الذي تتوالد أفكاره من بعضها البعض، الجملة تدفع نحو الجملة الأخرى، والمفردة المباغتة تقلب كيان الاسترسال، وفق حالة هذيانية تدور وتبتعد. وتعود إلى نقطة بدايتها أو الجملة المحورية «أنا أبحث» وتنطلق من جديد هي لعبة تفتيت النص وكسر وحدته الدرامية المألوفة وهنا تكمن قيمة الاشتغال على الجملة المنطوقة المفتوحة على التأويل والتي تعطي للمثل الكثير من الفرص للدخول والخروج من حالة إلى أخرى ومن سياق إلى نقيضه، ورغم كل التداعيات والأفكار التي تتخلق من بعضها البعض.
ظل نص العمل قوالاً وليس بواحاً، بمعنى أنه حافظ على غموضية معينة متروكة للمتلقي ليضع بدوره تأويله الخاص. لكن بصورة عامة هو عمل عن إنسان محاصر بالخوف واليأس والوحدة والظلمة التي يبحث ويبحث فيها عن نفسه، عن لحظة حب. عن فسحة لإنسانيته المهدورة، وفي المقابل هو يبحث عنا جميعاً نحن المحاطين بذات المأساة على اختلاف تجلياتها.
عزيز خيون وهو المسرحي المعروف كان كمن يتحدى نفسه بهذا العمل الذي تطلب منه بذل طاقة بدنية كبيرة للسيطرة على مساحة اللعبة المسرحية. لكن خبرته في التقنين وضبط الأدوات، وتوزيع هذا الجهد دون مبالغة ساعده كثيراً وهو بهذا العمر في التحرك، ولأنه عزيز خيون ليس له أن يترك لمشاهده فرصة لانتقادية متعلقة بأدائه الذي حمل هذا العمل بجسد معبر وصوت قوي، ولغة واضحة المخارج، تماهى خيون مع النص، لأنه جزء من اللعبة ولأنه واحد من المبدعين الباحثين عن أنفسهم في هذه الفسحة الحياتية اللاانسانية.
العمل يحمل الكثير من التساؤلات المتعلقة باختيار المكان والرموز والنظام، لكن أجوبة هذه الأسئلة تأتي من خصوصية هذه التجربة التي تحمل المعنى الحقيقي لمفهوم التجربة والبحث عن الجديد في العملية المسرحية. وهي القيمة الأساسية لأي عمل إبداعي، أنا في الظلمة أبحث تجربة تستحق كل الاحترام، لأنها نابعة من القلب والهم والقلق، ولأنها تجربة تتحدى واختارت لنفسها الجانب الصعب من هذا التحدي.
حازم سليمان