أرق المرأة العربية وألقها منودرامياً

"مصابة بالوضوح" عرض قارب الاستلاب والتغريب

هي امرأة من هذا الزمان، ابنة حقيقية لهذه المرحلة، بكل ما فيها من لهاث وجنون وتناقضات، وهي التي تخرج من استلاب لتدخل في آخر، تهرب من مأزق وجودي ليبتلعها مأزق أصعب.

وهي التي تبحث أيضاً عن نفسها وسط كل هذه العوالم، عن لحظة حقيقية واحدة، عن شيء ما تريد أن تكونه، غير تلك التي يرضى عنها الأهل، والباعة، والجيران، ومن هنا تبدأ الحكاية، ورحلة الاستلاب، والتغريب، في المسرحية الأردنية »مصابة بالوضوح« وهي نص وإخراج سوسن دروزة، صياغة وتمثيل ساندرا ماضي.

في هذا العمل المميز الذي يقدم لنا حالة إنسانية، لامرأة تحاصرها الأسئلة الوجودية، وتلتف حول عنقها جملة من الإشكاليات السياسية والاجتماعية الخاصة والعامة، تبرز الحالة المشرقة للعبة التكامل بين صناع هذا العمل، فكأننا كنا أمام شخص واحد يعرف تماماً ما يريد قوله.

ويؤمن به، هذا الإيمان كان عنصراً جوهرياً في هذه التجربة التي ارتفعت وتيرة صدقيتها وحساسيتها، وأصابت الجمهور، الذي أحب ما رآه، وتفاعل معه، ثمة مخرجة تدير اللعبة بصورة مباشرة، تتغلب على المشاكل التقنية التي تظهر في العمل، وممثلة تفهم ما يدور حولها، لأنها جزء من اللعبة وليست مجرد ممثلة.

هذا الانسجام الكبير بين الممثل والمخرج يعتبر عنصراً جوهرياً وأساسياً في هذه التجربة المسرحية، نحو عرض تتكامل فيه الأفكار، وتتقاطع، ويأخذ كل مبدع فيه حقه في قول ما يريد، ويكون الممثل شريكاً في صناعة العمل وليس مؤدياً ومنفذاً لخطة إخراجية وضعها المخرج ويريد تنفيذها.

الوضوح في هذا العمل يعمي، والمخرجة سوسن دروزة لديها ما يكفي من الإمكانيات لخلق مساحة بصرية على درجة كبيرة من الحساسية والبساطة، والانسجام في تحويل المتخيل إلى صورة ومشاهد، وهي بنفس الوقت كمؤلفة، تقدم نصاً فيه توليفة مونتاجية، وتقطيع للحالات الدرامية التي لا تتركها لتكتمل، بل تتداخل الحالة بالأخرى.

وتتشظى هذه الحالات نحو عالم منهك ومرهق ومتناقض، ومليء بالحيل المنودرامية لملء مساحة الخشبة على مستوى القول والفعل الحركي، وهي بنفس الوقت تعتمد على ممثلة واعية ومتداخلة تداخلاً عضوياً مع كل هذه التشظيات، والحالات، الكثيفة والمتناقضة.

ساندرا ماضي قدمت عرضاً مسرحياً على درجة كبيرة من الأهمية، واستطاعت بتلقائية وتدفق وبساطة أن تحمل رسالة العمل وأن تشغل الخشبة لمدة تجاوزت الساعة بقليل، ولأنها جزء من اللعبة، انطلت علينا اللعبة، وصرنا في بعض اللحظات كمن يسترق النظر إلى امرأة وحيدة، راحت تعترف لنفسها.

وتبوح بهمومها اللانهائية، هي الأنثى المثيرة، وهي الأنثى المهزومة، هي المتحررة، وهي المكبوتة المحاصرة، وهي التي تعيش حروبها الداخلية والخارجية على أكثر من جبهة، وهي التي لا تريد أكثر من لحظة صادقة واحدة.

والقدرة على تحديد مصيرها وحياتها، بعيداً عن الخط الدرامي الاجتماعي الواضح، ذلك الخط البياني الذي يريده الآخر لهذه المرأة، إنها امرأة تريد أن تنحصر حريتها في اختيار ملابسها لكن حتى هذه الحرية الساذجة معرضة للاختراق والتداخل.

إن مسرحية »مصابة بالوضوح« عمل يحتمل الكثير من التأويلات، خاصة وأنه يستند إلى ديكور وأدوات دلالية، خاصة تلك الكاميرا التي كانت تعرض لنا حركات الممثلة على قطع الديكور الخلفية، هذه الكاميرا التي تعيش معها الممثلة حالة تداخل وحوارية وتحد، تتجاوز دورها المهني، لكونها العين التي تراقب وتحاصر وتسجل.

لقد كان لهذا التوظيف دوره الفعال في هذا العمل على المستويين الجمالي والدلالي، وهو يضعنا بنفس الوقت مع الهاتف النقال، ومكبر الصوت إلى لحظة معاصرة آنية، فالأزمة تحدث اليوم، أو هي امتداد لأزمة تاريخية مستمرة، وستستمر على ما يبدو.

»مصابة بالوضوح« يطرح إشكالية المرأة العربية، أو شريحة واسعة من النساء، من خلال سوسن دروازة، وساندرا ماضي بكل ما تمتلكان من وعي وثقافة عالية، وحرفية في التعامل مع اللعبة المسرحية التي تكاملت عناصرها مع فريق عمل محترف ومعروف ماجد نور الدين إضاءة، ديكور محمد جالوسي، نحو تجربة خاطبت العقل.

وقدمت رسالة إبداعية وفكرية، حظيت بترحيب نقدي كبير في الندوة التطبيقية، إن هذا العرض بعد رحلته بين عمان، ودمشق وقرطاج، حط في مهرجان الفجيرة ليمثل إضافة مميزة للعروض التي تتصاعد وتيرة أهميتها وجودتها.

وداع وتكريم

ودعت إدارة المهرجان عدداً من ضيوف هذه الدورة وقام كل من محمد سعيد الضنحاني مدير الديوان الأميري رئيس مهرجان الفجيرة.

ومحمد الأفخم مدير المهرجان بتسليم دروع التكريم وشهادات المشاركة إلى كل من الفنان محمد صبحي، راميندو نائب رئيس الهيئة العالمية للمسرح، جينفر ولبول السكرتيرة التنفيذية للهيئة العالمية للمسرح، إبراهام وغنور رئيس مسرح مكسيم غوركي في ألمانيا.

حازم سليمان

طباعة Email
تعليقات

تعليقات