صامت كان اليوم الرابع من أيام مهرجان الفجيرة الدولي للمنودراما، لكن هذا الصمت حرك في عقول ووجدان المسرحيين والحضور الكثير من الأسى والشجن فكانت ليلة مسرحية ساخنة، وعلى درجة كبيرة من الأهمية والاستثنائية، وكان الصمت أبلغ من الكلام.

هما عرضان مسرحيان صامتان الأول من مصر، والثاني من أرمينيا، وبين مصر وأرمينيا كان على الجمهور المتخصص والعادي أن يتقاطع مع من جاء ليلامس في الناس مناطقهم الجمعية المستترة.

ومن جاء لينبش، ويشاكس، وليقول ان الإبداع الحقيقي هو كسر للمألوف، وهو هدم بنّاء وخلاّق للقناعات، وللأفكار الجاهزة، إما بصورة عنيفة وقوية كما حدث في العرض المصري، أو بنعومة فائقة .

كما حدث في العرض الأرميني، فكان رد الفعل مشابهاً للفعل، عبر ندوتين تطبيقيتين الأولى احتدم فيها النقاش وتعالت الأصوات الرافضة محاكمة العمل أخلاقياً، والثانية كان الهدوء والنعومة التي دفعت البعض لتقبيل يد الممثل تكريماً له كما حدث مع ممثل العرض الأرميني.

أحمر ساكن

أحمر ساكن هو العنوان الذي اختارته الفنانة ريم حجاب ابنة الشاعر المصري المعروف سيد حجاب والتي تولت تأليف وإخراج وتمثيل هذا العرض الذي شاء الاقتراب من الخطوط الحمراء الساكنة في حياتنا.

في استنهاضة لأحلام مقتولة عند شريحة واسعة من الناس وعلى جميع الأصعدة، فكانت حكاية امرأة وحيدة محاصرة، تأخذنا على الخشبة التي صارت مساحة لمحاكمة الوجدان، نحو حياتها وخصوصيتها الحميمة، التي بدأت منذ الطفولة.

وانتهت كأضحية ربما، امرأة توقظ أحلامها الواحد تلو الآخر، وعبر هذه الأحلام ينفجر صراع تحقيقها والعجز عن ذلك بفعل الكثير من العوامل السياسية والاجتماعية.

في العمل رصد لخيبة جيل كامل أو عدة أجيال، من الناس انهارت تحت أقدامهم جملة من الآمال العريضة، ومن هنا فإن الصراع في هذا العمل جاء، موتوراً، قاسياً، متشتتاً، يقترب إلى المناخات الكابوسية المقلقة.

صمت ريم حجاب في هذا العرض استند إلى جرافيك أشرف شاكر، إضاءة هاني المتناوي، وصوت إيهاب نبيل، وأولاً وآخراً كان الاستناد على الجسد، الذي تفجر على الخشبة بكل جرأة وتحرر من معيقات هذا الجسد، الذي أخضعته لتجربة قاسية.

وخلقت من حركاته ومن تفاصيله التي لم تهمل منطقة واحدة منه، عالماً بصرياً مشوقاً، في عرض تجريبي، حداثي، ينتمي إلى جيل جديد من المسرحيين الشباب، حاولت ريم حجاب ونجحت في استنطاق الصمت، وكانت بجرأتها على المستوى الدرامي، تحاول هدم الجملة الدرامية والبصرية.

وليس بناءها نحو ذروة ما، أو جعلها تتحرك ضمن السياقات المعروفة لتنامي الفعل الدرامي في العمل المسرحي، فكان التفتيت والتحطيم المرتبط أساساً بالقلق الوجودي في هذا العمل المميز المفتوح على الكثير من التأويلات والقراءات، لكنه في نهاية المطاف، عمل صدامي إشكالي يقتحم مكامن الخوف عند الناس، وهي في نهاية المطاف وظيفة الإبداع على اختلاف أنواعه.

الناس يهتمون ببعضهم

لا يحتاج هذا العمل أكثر من القول انه قدم لنا ممثلاً شاباً تخرج للتو من المعهد المسرحي في بلاده وجاء ليدهش الناس كساحر لعب ببصرهم وأحاسيسهم لأربعين دقيقة دون أن يترك لأحد منهم فرصة إزاحة بصره أو التملل من غياب الكلام.

العمل دعوة صارخة للحب، في هذا الزمن الذي ضاعت فيه إنسانية الإنسان، وأقحمته المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية عزلة قسرية قاتلة، عالم يمضي مسرعاً على حساب الإنسان، قوى جبارة تحركه وتنهض به دون النظر إلى عدد الضحايا والخسائر التي لا تعوض.

هي دعوة لأن يكون الإنسان هو الحقيقة والمحور الأساسي لكل شيء، لا أن يكون كبش الفداء، لهذه العجلة الهائلة التي تدوس وتدوس بلا رحمة أو توقف.

كل هذه الأفكار والعناوين العريضة قدمها العرض الأرميني وهو من تأليف وإخراج وتمثيل هايك زوريكان بمساعدة والده المخرج إدوارد زوريكان، فكانت المفاجأة الحقيقية أمام طاقة أدائية جعلت من مسرح مفتوح وفارغ تماماً إلا من علاقة للثياب، جعلت منه عالماً كاملاً، يتحرك ويتغير، وتتبدل فيه الحكايا والمشاهد.

قدم الممثل هايك زوريكان عبر عرضه تأكيداً على الدرجة التي يمكن أن يصل إليها الممثل، المتحكم بعقله وهدفه وجسده، والمتدرب جيداً على السيطرة والمزامنة بين العقل والأعصاب.

وبين العضلة، هي كما قلنا علاقة ثياب ومن ثم معطف وقبعة الممثل، ومن هذه الأشياء البسيطة بدأت اللعبة الفنية التي لخصت لنا الحاجة الإنسانية للتلاقي، والحب.

كل شيء في هذا العرض مدروس جيداً. لا شيء مجاني، والإيهام كان بليغاً ومقنعاً، فكان الممثل يركض، ويقفز ويطير، ويبني علاقة غرامية، وهو واقف مكانه، لكنه كان حقاً يركض ويقفز ويطير.

إن هذين العرضين ميزتان تشكر عليهما إدارة المهرجان، التي صفق لها الجميع على هذه الاختيارات، القادرة حقيقة على التأسيس لتظاهرة ثقافية وإبداعية بكل ما تعنيه هذه الكلمة.

حازم سليمان