اختلفوا، وتساجلوا، لكنهم لم يجدوا في نهاية المطاف مفراً من الإجماع والاعتراف بأن ما شاهدوه على الخشبة هو خلطة إبداعية مثيرة للجدل تداخل فيها المؤلف والمخرج والممثل نحو عمل مسرحي تونسي كبير اسمه »العرائسي«، عمل شاكس في المسرحيين العرب والأجانب والحضور طفولاتهم النائمة.

وأطلق العنان للمخيلة، خاصة حين تصير الأشياء الصغيرة والمهملة دلالات ذكية ومكثفة، تختصر العالم تبنيه من جديد وتعيد خلقه بمزاجية إبداعية، ومن ثم تهدمه. لتخرجنا من لعبة الإيهام، إنها خشبة المسرح الصغير التي تكبر بعناصرها الفنية لتبتلع العالم، والحياة بكل ما فيها من فرح وحزن وأمل.

مرة أخرى يثبت »التوانسة« أنهم صناع مسرح حقيقي، وأن تجربتهم سباقة ومتجاوزة للكثير من النمطيات المسرحية نحو أبعاد حداثية وتجديدية في البنية والشكل، لأن هذا العمل يحيلنا إلى لا نمطية في عملية التعاطي مع العمل المسرحي.

هذه اللا نمطية تؤكد أن هذا العرض ليس مجرد مخرج اختار نصاًَ مسرحيا ليقدمه عبر ممثل مناسب، بل ثمة حالة مخبرية، واندماج كلي للأفكار بما يشبه الورشة المفتوحة على الاحتمالات والنتائج.

»العرائسي« وهو من تأليف محمد العوني، وإخراج الأسعد المحواشي، تمثيل عامر المثلوثي، يقدم لنا في صورته العامة حكاية محرك عرائس، قرر أن يخرج للمرة الأولى هو وعرائسه ليعمل أمام الستارة وليس خلفها، عرائسي يريد يتحدث عن العالم والأحلام، والحكايا.

وهنا تبدأ اللعبة بعد أن انتهت اللعبة، بمعنى أن الستارة التي تخفي الدهشة، وتتيح للعرائسي إيهام الآخرين بدماه، صار مكشوفاً أمامنا هو ودماه، وعليه أن يحكي وعلينا ان نستمع.

في هذه اللحظة بالذات تنفتح المسرحية على كل الاحتمالات وتبدأ لعبة أنسنة الأدوات المادية، ويبدأ الممثل في الدخول والخروج بين الحكايا والشخصيات التي يكونها الممثل أمامنا، أشخاص يخلقون من أعواد خشبية، كرات، وخيوط، الطوق يصير أفعى، والمكنسة امرأة، والكرسي بقرة، جميعها كائنات يضعها العرائسي أمامنا بأدوات بسيطة.

وحلول ذكية ومكثفة، لا شيء مجانياً، أي أثر صغير على الخشبة هو مادة حية يمكن استغلالها إلى أقصى درجة ممكنة، لتصير هذه المسرحية المنودراما، تغص بالأشخاص والبشر والكائنات، نحو جدل فكري حول علاقة الإنسان بالعالم الذي طغت عليه المنفعة، والقسوة.

وتحول الإنسان فيه إلى دمية يستغلها ويحركها يفتتها، يقتلها، كما هو الحال تماماً مع العرائسي نفسه، لكن العرائسي في هذه اللحظة يصير دمية كدماه، شخص يتحرك على مزاج الآخر، وكان عليه أن يكون ما يريده هذا الآخر، وليس ما يريده هو.

اختصرت هذه المسرحية في لعبتها، الكثير من الاتجاهات المسرحية، فكنا أمام مسرح المونودراما، وخيال الظل، مسرح الدمى، الحكواتي، وكنا أمام ممثل عليه أن يتحكم بكل هذه العوالم والأدوات، عليه أن يُمثل، ويحرك الدمى.

ويروي الحكايا، عليه أن يغيب خلف شخصياته ودماه وأن يلغي احساسنا بأننا نرى دمى يضعها أمامنا، عليه أن يتحرك وسط كل هذه المعطيات باعتباره الخيط الممسك باللعبة دون أن نرى هذا الخيط رغم معرفتنا بوجوده، ان المسؤولية التي رماها المخرج على الممثل البارع، كانت كبيرة جداً.

فليس هناك لحظة سكون واحدة طيلة العرض الذي امتد قرابة الساعة، كان عليه أن يتحرك ويتماهى مع الحالات والحكايا العديدة والمتداخلة، والرهان كان على أن أي غلطة بسيطة يمكنها أن تدمر العالم الوهمي الذي بني أمامنا، ثمة وهم يتولد من وهم سبقه.

مُتَخَيَل يُبنىَ من مُتَخَيَل، واقع يُؤخذ من واقعيته ليصير لعبة فنية، لا شيء حقيقي إلا مقولة العمل النهائية، المتمثلة في ضياع قيمة الإنسان، وانسحاقه، وانهياراته المتلاحقة، أمام العجلة الاقتصادية الهائلة.

الندوة التطبيقية كانت مناسبة لغالبية المشاركين فيها أن يؤكدوا على أهمية هذا العرض، وفرصة للممثل الشاب الذي أعلن المسرحي التونسي المنصف السويسي إعجابه الشديد به داعياً إياه للعمل معه.

كما كانت مناسبة للفنان محمد صبحي إلى دعوة جميع المسرحيين إلى عدم التفحص في طرح الآراء بما يشبه الاستعراض، وعدم التدخل في عمل المخرج أو أن تقدم له اقتراحات مهنية أو كما قال »علينا ألا نبيع الماء في حارة السقايين« وكان الفنان أسعد فضة قد سبقه بالقول حارتنا ضيقة ونعرف بعضنا«.

حازم سليمان