ضمن الملتقي الفكري المصاحب لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، أُقيم أول أمس حوار مفتوح حول الملكية الفكرية وقرصنة الكتب، نوه الدكتور يوسف عيدابي الذي يدير الحوار في بدايته إلى أهمية الموضوع باعتبار أن الكثير من الدول العربية لم تدخل في اتفاقية حماية الملكية الفكرية.
ولا تحترم حقوق المؤلف والناشر، ومنذ الستينات والعرب يعانون من هذه الإشكاليات التي تتعاظم يوماً بعد يوم. وأوضح أن الموضوع رغم أهميته لا يناقش بشكل علني إلا في المنعطفات أو الأزمات، بينما في كل المعارض العربية نواجه حالات من استلاب الحقوق وتزوير الكتب في أكثر من مجال.
وأثنى مبتدر الحوار محمد عدنان سالم، رئيس اتحاد الناشرين السوريين، نائب رئيس اتحاد الناشرين العرب، رئيس اللجنة العربية لحماية الملكية الفكرية، على ما قاله د. عيدابي، مضيفاً أن الموضوعات هذه لا تلقى إقبالاً في الوطن العربي، ولا تستحوذ على اهتمام العامة ولا الخاصة، وأكد أن احترام الحق الفكري يرتبط إلى حد كبير بالمستوى الحضاري لكل مجتمع.
ويرتفع كلما ارتقى وينحدر كلما انحدر، ففي المجتمع المتقدم يعيش المؤلف في راحة متناهية من دخل كتبه، وربما من كتاب واحد، بينما في مجتمعنا لا يستطيع مؤلف له أكثر من عشرة إصدارات أن يعيش حياة عادية، فكيف إذا كانت أيضاً تتعرض مؤلفاته إلى القرصنة؟
انتقل سالم إلى فهم الغرب لشعار حقوق الملكية ونظرتهم له كمقدس لا يجوز الاعتداء عليه، وفهم المجتمعات المتخلفة له، وتعامل القراصنة معه، موضحاً أن الحق الفكري مسألة ثقافية قبل أن تكون مسألة قانونية..
وبحيث حين يكون مسألة أخلاقية يحرص المجتمع بأسره على تطبيق القانون، لأنه لا يمكن لأكثر القوانين تشدداً أن تنال من القرصنة في ظل ثقافة الاستباحة لحق المؤلف..
في ظل ثقافة التصفيق للقرصنة حيث لا نجد إلا موافقة اجتماعية شاملة من الرأس للقدم تتذرع بذرائع، كالسعر الأرخص وكسر احتكارات المعرفة، وحق الإنسان في الاطلاع، وشيوع العلم كالكلأ والماء.
وأكد سالم أن كل هذه الذرائع لا تقوم بها حجة، ومن نتائجها الخطيرة عوز الإبداع، إذن ما نعانيه من هذا العوز يستند إلى حد كبير إلى انعدام حق المؤلف أو عدم احترام حقه، مما يساهم في هجرة الأدمغة التي تركض وراء من يحترم ويحفظ نتاجها، ومن يقوّم هذا الإنتاج بقيمة عالية ويرد هذه القيمة إلى مبدعها.
وأضاف مبتدر الحوار أن العقلية السائدة، استباحة حق المؤلف، قد تدعم شبكات القرصنة، وثمة مؤسسات ثقافية رسمية وخاصة تطرح مناقصات مرتبطة بالسعر الأرخص، ولا تلتفت أبداً إلى الحق الفكري.
وهذا »السعر الأرخص« من المؤسسات الحكومية خاصة، يؤسس لشبكات القرصنة ويشجعها ويدعمها.. ويرى سالم من خلال تجربته منذ الخمسينات أن هذه المشكلة بدأت بشكل واضح في السبعينات، واشتدت معها القرصنة اشتداداً كبيراً جداً من جراء طرح تلك المناقصات.
وفيما يتعلق بتأثير ظاهرة القرصنة على الناشر يؤكد سالم أنها تحبط الناشر الملتزم وتهمشه، فالناشر الذي يركض وراء الكتب الجيدة والإبداعات المفيدة، ويصرف ماله وجهده ووقته.. هذا الناشر الملتزم قد يكون له بالمرصاد أحد القراصنة.
وبمجرد الانتهاء من عمله يأخذ هذا العمل جاهزاً دون أن يتكلف أي أعباء، ويبيعه بالسعر الأرخص، فيصير الشريف الذي يقدم خدمة للناس، بينما الناشر الذي صرف الملايين ينظر له الناس على أنه جشع ومستغل يبيعهم الكتاب بسعر أعلى..
ومما سبق يرى سالم أن انتشار استباحة الحقوق هو انتشار للسرقة، وحين نشيع ذلك نعمل على إضعاف الوازع الأخلاقي في المجتمع من جهة، وزعزعة ثقة العالم بنا من جهة ثانية.
وخاصة أننا في عصر المعرفة، مادتنا الأولية هي الإنتاج الفكري، والإنسانية تتحول بسرعة إلى منعطف خطير وكبير جداً من عصر اقتصاد الصناعة إلى عصر اقتصاد المعرفة، فالدخل القومي سيكون معظمه من عمل الفكر ومن إنتاج الفكر.. وحرمان القراصنة للموارد الأساسية للدخل القومي أمر في غاية الخطورة.
وإن لم يكن فالهبوط في مستوى هذا الدخل، لأن الهبوط في مستوى الإنتاج واحد من المشكلات عند القراصنة، لأنه لا يهمهم إلا الربح، والربح يؤدي إلى البحث عن المواد الأرخص والإنتاج الأرخص ..
. وبالتالي يؤثر كل ذلك على الإنتاج سلباً في ظل منافسة السوق.. ويرى سالم أن الموضوع أخطر من ذلك بكثير حين يتعلق الأمر بالأقراص الممغنطة أو المدمجة، فصاحب البرنامج الأصلي يربط المشتري بإنتاجه وقطع تبديله وصيانة منتوجه.
ويحل أي مشكلة قد تعترضه، بينما القرصان يحرم المشتري من كل هذه الخدمات .. ولا يتوقف الأمر على ذلك، بل يتعداه ليصل إلى فوضى في الترجمة، إذ تصل الرواية أو الكتاب المترجم إلى أكثر من عشر ترجمات متناهية في الضعف ومليئة بالأخطاء..
وأيضاً يحدث ذلك في كتب التحقيق في التراث، إذ قد يستغرق تحقيق في موضوع ما أكثر من عشر سنين، وبعد طباعته في كتاب قد يجد صاحبه كتباً مسروقة منه أو كتباً مشوهة تشبه.
وختاماً لحديثه قال محمد عدنان سالم: أزعم أن ثقافة الاستباحة لحقوق المؤلف تسود المجتمع العربي بكل شرائحه، وأن قرصنة الأفكار تفاقمت بعد صدور قوانين الحماية، فأصبحت تشكل 75% من حجم تداول الإنتاج الفكري.
وأن قوانين الحماية في العالم العربي، والاتفاقات الدولية المبرمة معه كلها حبر على ورق، وأن أحابيل شبكات القرصنة وخبراتها في الالتفاف على القوانين، باتت هي الأقوى.
وقدرتها على الرائج من الإنتاج الفكري والسطو عليه وحرمان أصحابه المبدعين له، باتت هي الأعظم.. وأن التكنولوجيا في أيدي القراصنة باتت أطوع بكثير لفك الحمايات منها لتثبيتها في أيدي منتجي البرامج.. وأن إقامة الدعوة على القرصان في ظل ثقافة الاستباحة والاسترخاء القضائي.
وفي ظل تطويل آماد المحاكمات.. هي ــ أي الدعوة ــ أقصى ما يرموه القرصان.. والحل الإداري الموكل إلى إدارات الحماية لم يسعف الناشر، ولم يعفه من عبء الإثباتات والقيام بدور الشرطي الدولي لحماية إبداعاته.. ولم يبق أمامنا إلا الحل المهني لتنظيف البيت من الداخل.
ودارت نقاشات الحضور حول ضرورة تفعيل قوانين الحماية إضافة إلى الاهتمام بتوعية المجتمع بهذه القوانين، إضافة إلى توضح العلاقة بين الأعراف المحلية والقوانين العالمية وآلية عمل هذه القوانين وكيفية الاتصال بالجهات المعنية لتنفيذها.
بالإضافة إلى إقامة الحوارات والورش حول موضوع الملكية الفكرية وقرصنة الكتب في المعارض، والعمل على تبادل الآراء والخبرات والتعاون من أجل الحد من داء القرصنة الذي بدأ ينتشر بسرعة كبيرة مع التطور التكنولوجي.
محمود أبو حامد:
