يعتبر هذا الكتاب من أشهر أعمال المفكر الفرنسي »ميشيل فوكو«، كما يعتبر الانطلاقة الفعلية لمشروع نظري ضخم؛ امتد على ما يقارب ربع قرن؛ كانت مادته الأساسية؛ الخبرة الإنسانية في لحظات إبداعها لأشكال العسف المتنوعة؛ للحد من اندفاع الجسد والروح، وتخطيهما لحدود »المعقول« و»العقلاني« و»المستقيم« و»الرزين« للانتشاء بالذات داخل عوالم اللاعقل؛ التي لا تعترف بأية حدود إضافية؛ غير تلك التي تأتي من أشياء الطبيعة، وطبيعة الأشياء.
كتاب »تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي« زاخر بما يهتم به التاريخ من أهواء النفس البشرية في حالاتها المتنوعة؛ بمعرفة علمية تخص الجنون والعقل واللاعقل والاختلال النفسي، وكل السلوكيات الغريبة، كما يتحدث عن ممارسات السحر والشعوذة والطقوس الاستئناسية، إضافة إلى العوالم الرمزية، وكل الصور الخيالية التي أنتجتها المخيلة الإنسانية من أجل رسم حدود عالم غريب.. هو عالم »الجنون والمجنون«.. المليء بالصور والاستيهامات.
خصص الفصل الأول منه »لسفينة الحمقى« وهي سفينة صنعتها حاجات الخيال الإنساني الذي فتنه عالم الجنون فصاغ حوله مجموعة كبيرة من الحكايات. وهي عوالم عجيبة من صنع خيال مزقته الأهواء؛ لذلك لا أحد يتحكم فيها، باعتبار أنها خارج سلطة القانون والدين والأخلاق. إلا أن حقائق هذه العوالم أطول عمراً وأشد وقعاً من حيثيات المرض وأعراضه؛ فالأمر كما يشرحه فوكو؛ يتعلق بفعل ثقافي وثيق الصلة بحالة المجتمع الحضارية.
ويحمل الفصل الثاني من الكتاب عنوان »الاعتقال الكبير« حيث يصنف ديكارت الجنون ضمن رحلة الشك عنده إلى جانب الحلم وكل أشكال الخطأ؛ مؤكداً على أن العثور على شخصية تشبه شخصيتنا المعاصرة من بين نزلاء الحجز حينها؛ أمراً كان وارداً باستمرار.
ويعرض مواد العلاج؛ حيث كان الترياق في القرن 18 توافقاً وتوازناً مرغوباً فيه. وقد وضع هيكيت كتاباً حول الأفيون، واصفاً إياه بأنه مجسم له خاصية تجعله عندما يتعرض للحرارة يتطور على شكل بخار تقريباً،
ويصف التفاعل الكيميائي لهذا العقار، وكيفية تأثيره؛ حيث يكون شاملاً، ومنها استمد قيمته كدواء كوني؛ إلا أن الأفيون ليس فعالاً إلا في حدود. وفي سنة 1638 ترجم جان دوسير الأعمال الصيدلية الشهيرة لجان دو رينو، الذي يثق بأن »مؤلف الطبيعة قد بث إلهية في كل الأحجار الكريمة بعض المزايا التي تفرض على الملوك والأمراء أن يزينوا بها تيجانهم..
ولاستعمالها من أجل الحصول على البركات ومن أجل معالجة الأمراض والحفاظ على الصحة، وأن اللازورد مثلاً يقوي النظر، ويحافظ على نشاط القلب.والزمرد يحفظ الحكمة والفضيلة، ويقوي الذاكرة ويكبح الرغبة. ويؤكد أن ذكر هذه المعتقدات حاضر بطريقة لافتة للنظر في الأعراف الصيدلانية، وكتب الطب في القرنين 17، و18.
**فاطمة الهديدي