قال الأديب والروائي الجزائري الطاهر وطار إن العولمة انتشار عادي وطبيعي لأثر مهم من آثار شعب من الشعوب ينتشر حتى تبدأ الشعوب الأخرى بالاهتمام به.. وحول سعي البعض من المبدعين العرب إلى العالمية أشار إلى أن هناك مبدعين يذهبون إلى الحداثة دون الوعي بها أو استيعابها وهناك من يضع عينه على جائزة نوبل،

والحداثة ليست سلاحاً ولا شيئاً يذهب إليه، بل هي التي تأتي من الخصوصية ومن الأصول، نحن مشارقة لنا طقوسنا في الحياة فكيف نتخلى عنها باسم الحداثة، إن الكثير من الناس انفصلوا عن بيئتهم ومجتمعهم وراحوا يستغرقون في مجموعات في عزلة.

وحول التحولات الحادثة في الزمن العربي الآن والتحديات التي يواجهها قال وطار: لا أعرف ان كان وضعنا العربي الحالي وضع عزيز أو غالي أم لا؟.. إن التشكيلة العربية جغرافياً وسياسياً صيغت في السابق من قبل خصومنا واليوم يبدو ان هذا الخصم وجد ان هذه التشكيلة لا تناسبه!!

أنا حزين لما يحدث لأنني أشعر وكأننا نعيش في القرن السادس عشر، نعيد صياغة رفضنا وتمردنا واضطرابنا النفسي وسوء هضمنا للعلاقة مع الآخر، ولا أدري بالضبط ما سنكون عليه بعد ثلاثين سنة من الآن.

وكان الروائي الجزائري وطار قد ألقى محاضرة بقاعة المؤتمرات بمركز أكسبو الشارقة ضمن فعاليات النشاط الفكري المصاحب للدورة الرابعة والعشرين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب.

وقدم الدكتور يوسف عيدابي منسق عام المعرض الروائي وطار مشيراً إلى أنه مبدع عضوي ينتمي إلى ثوابت أمته وإن عالميته تنطلق من انشغاله على الخاص وتبنيه لقضاياه.

وقال وطار في محاضرته »المبدع العربي من المحلية إلى العالمية«: يمكن لأحدنا أن يكتب عشرات الكتب، روايات وأشعاراً، وقصصاً، ولكن إذا لم يكن موهوباً، وبالتالي مبتلى بالإبداع، فسيظل هو وكتبه على الهامش.

فالإبداع، حينئذ، ليس إلزام النفس، لهذا الغرض أو ذاكم، بإنجاز شيء ما، أدباً أو رسماً أو مسرحاً، أو لحنا. إنه فيض من غيض من أعماق المجتمع، قد يغور حيناً، ولكنه لا ينضب أبداً. كثيراً ما أقول إنه سر رباني، يختار له من يشاء من خلقه. قديما قالت العرب كل إناء بما فيه ينضح، والمحلية هي هذا الإناء.

المحلية هي أنا: تربة، مناخ، بيئة، لغة وجدان غائر في الزمن. إنني ذلكم السلمون، الذي يغوص في أعماق البحار والمحيطات، وعندما يحضره العطاء، يحضره النداء، فيحمله سر الأسرار إلى النبع الذي ولد فيه.

يتجدد ثم يسلم الروح. ألم أقل لكم إن الإبداع بلوى. عندا أقرأ إلياس خوري، أشعر بأنه، يغرف بلغتي من تربيتي إنما من بيئة خاصة به، عندنا يستغرق في استعراض مشاكل أسرة لبنانية مسيحية، متواصلة مع الآخرين في مناخ عربي فلسطيني قومي، تنطرح فيه كل مشاكل المنطقة.

لا أريد أن أتنازل عن عنصر اللغة، رغم أن كتابات أمين معلوف، إبداع عربي ما في ذلك من شك، لكن، في اعتقادي أن لكل مفردة، تفلت من ذهن المبدع، فصيلة دموية مرتبة في ذهنه، إن لم أقل جينة تحدد كنهها، وقناة اتصال، بوجدان المتلقي.

لقد عانيت، وأنا أقرأ، النخلة والجيران للمرحوم غائب طعمة فرمان، كما عانيت وأنا أقرأ أعمال الطيب صالح، وألزمت نفسي بقراءتين، واحدة لتشفير الحوار، والثانية للاستمتاع بالنص كله، دارجة وفصحى.

وسألت نفسي، أي هاجس، يحدو ببعض الكتاب إلى الالتصاق الكلي بمجتمعهم، فيحركون الصورة بلغة الكاتب، ويحركون الكلام بلغة المتحدث؟ وقال وطار: إنها وجهة نظر، لكن في رأيي الشخصي، إن العملية الإبداعية في مجملها لغة، وحركات، حواراً وسردا، هي من تأليفي أنا وبالتالي هي ترجمتي الفنية للواقع الذي بهرني.

لقد عمد بعض المتقاعرين المتحذلقين، إلى إدخال نصوص بلغات أجنبية، ضمن نصهم، فعليك إن أردت الاستمتاع بما يقدمون، أن تتعلم الإنجليزية والفرنسية، واليابانية، ولربما لغة قبيلة بالوبا في الكونغو. إن مالرو في روايته قدر الإنسان، التي تجري حوادثها على ما أذكر في الصين، لم يكن في حاجة إلا للغة إبداعه التي هي الفرنسية، كما تعلمون.

العربية الفصحى قاسم مشترك بيننا، أكنا عربا، أم من أعراق أخرى، نستعمل إلى جانب العربية الأمازيغية أو الأرامية أو الكردية.. وكما يثري إلياس خوري، أو إدوارد الخراط، محليتنا، بفتح عوالمها، الروحية، تثري اللغة العربية، بصور، وتراكيب، من لغات أخرى عايشتها قروناً طويلة، وتبادلت معها التفاعل.

صدقوني إذا قلت لكم، إن الجزائريين عرباً وبربر وأنا منهم، لا يعرفون سبعين في المئة من أسماء الحشائش والأعشاب، إلا باللغة البربرية، وكثيراً ما لا نسأل أنفسنا عن الاسم العربي البديل.

وأشار وطار أنه حين أكون في حالة إبداع، أكون في حالة نقل وترجمة آنية وفورية، من كل ما في الكون وما في محيطي وبيئتي، إلى حالتي الذاتية، شبيها بنحلة، عادت من حقل زاخر بمختلف الأزهار. قد تسألونني: بعد أن عرفنا من تكون، في محليتك، ما هي العالمية؟

أجيبكم بأنها الإنسان. الإنسان الذي يشترك معي في الحيرة تجاه سر الخلق والخالق. الإنسان الذي يشكو من كل ما أشكو منه. الجوع والمرض والموت والظلم والحيف، الإنسان الذي يشترك معي في عدم التواني عن مد يد العون للآخر وإغاثته،

الإنسان، كما أراده الأنبياء والرسل، والمربون الروحيون في جميع الديانات، الإنسان كما يحلم أن يكون بعد أن يغادر الحياة الدنيا هذه، الإنسان في أبدع وأروع ما وصلني من إنجازه العلمي والفني، لربما يرد بعض ما سلف في المقولة الشهيرة: الحق والخير والجمال.

وقال وطار: ترون أنني فتحت نافذة على الحداثة، وعلى ما يشهر في وجوهنا من هذا السلاح؟يقول جلال الدين الرومي، ما معناه إن القمر يستضيء من نور الشمس، وفي رأيي، إن الشعوب والمجتمعات بصفة خاصة، هي الأرض، وأن المبدع، يكون جدلياً تارة القمر، وتارة الشمس.

يكون القمر عندما يعكس ما للآخر من جديد، ويكون الشمس عندما يعكس إلى الآخر ما أبدع هو وما أبدع مجتمعه، كل هذا في إطار ما قاله الأولون في شأن المثقف، من أنه هو الذي ألم بعلوم عصره.

إن هذا الإلمام ينبغي ألا يجعلنا ننفصل عن محورنا، فنتحول إلى مذنبات، تائهة بين الأجرام، وهذا وارد جداً، فإمكانيات تلقينا للجديد، خاصة بعد أن تحولت كل أدوات تعليمنا، وإعلامنا، وتلقينا للمعارف، إلى وكالات تعيد إنتاج ما أنتجه الآخر. إمكانيات تلقينا لا تراعي أبداً مستويات مجتمعنا، التي تسير كالأنهار كالتاريخ بناموس محدد، لا يأتيه القفز من بين يديه ولا من خلفه، وكلما حدث ذلك، حدث اضطراب عسر وسوء الهضم.

وأضاف وطار: لقد مس الاستعمار ناموس التاريخ في المجتمعات البشرية، وها أنتم ترون، ما يلحقنا وما يلحقه، من أذى، والله أعلم كيف سيستعيد التاريخ الإنساني ناموسه، وكم يتطلب ذلك من الزمن ومن التضحيات. بعض كتابنا، صاروا وكالات استنساخ، لإنتاج الآخر الفكري، الصور الجنسية البذيئة، احتقار الذات بكل مقوماتها، تجنب هموم الناس قدر الإمكان، والغموض ما تيسر.

وقال: لم أستبعد في أي يوم من الأيام، وكان من واجبي أن لا أستبعد، ان من ضمن الحرب الايديولوجية التي جرت طوال القرن الماضي وما زالت تجري، قتل الإبداع الفردي، الذي طالما كان محرضاً على الثورة ضد الاستغلال، والاستعمار، وعاملاً محركا للشعوب، من أيام أقيموا بني أمي صدور مطيكم، إلى أيام إذا الشعب يوما أراد الحياة.

من الشنفري إلى غوركي إلى الشابي، إلى أحمد فؤاد نجم. إنهم لا يستطيعون السيطرة على عواطف الفرد المبدع، مثلما هو الشأن للإبداع الجماعي كالمسرح والسينما والصحافة، وعليه، فليمت الإبداع الفردي وليتوقف التحريض، يموت بالابتعاد عن هموم الناس الحقيقية، يموت بالاستغراق في الذاتيات، ويموت بالإغراق في الغموض.

لكن سرعان ما يظهر عمل جديد لكاتب من أميركا اللاتينية، يعطي الحداثة مفهوماً آخر، العودة إلى الملحمة الإغريقية، بأسلوب جديد، مع التعبير عن هموم الفرد في أعمق عمقها، فينبهر الناس، وتنهزم الأمبريالية، ولو جزئياً، في شق من حروبها الايديولوجية.

وختم الطاهر وطار مداخلته بالقول إن شبه العالمية التي بلغتها كتاباتي، أضفت على كاهلي عبئاً جديدا، فبعد أن كنت أساءل هل استطيع قراءة النص الذي أنا بصدد إبداعه على ابنتي، صرت أتساءل، ألا يفسد نصي هذا، أخلاق طفل في الفيتنام، أو كوريا أو الهند؟إن الإبداع الصادق العفوي، والنابع من الناس وإلى الناس، كان ولا يزال مسؤولية.