تحت شعار من أجل مسرح عربي أصيل ومتطور، انعقد مهرجان الرقة المسرحي الأول في الفترة ما بين 12/11- 20/11/2005 على مسرح دار الثقافة، وذلك بالتعاون ما بين مديرية الثقافة ومديرية المسارح.
وقد تتالت فعالياته وعروضه، حيث أقيم على هامش المهرجان معرض فني تخلله محاضرات وندوات في الفن التشكيلي، ومعرض للكتب، كما أصدرت اللجنة الإعلامية للمهرجان نشرة يومية، وأعقب كل عرض مسرحي ندوة نقدية له شارك فيها باحثون ونقاد مسرحيون وجمهور واسع.
تميز المهرجان بحضور فعال لشخصيات عربية وصديقة منهم: فؤاد الشطي من الكويت، غنام غنام من الأردن، عبد الكريم بعلبكي وحسين شكرون وزينة سابا من لبنان، السيد بركات من تركيا.
كما شارك في عروضه فرق مسرحية من لبنان والأردن، وفرق مسرحية من سوريا قدمت من السويداء ودمشق والقامشلي والحسكة، بالإضافة إلى فرقة توتول من الرقة. وفرقتان من مديرية المسارح هما المسرح القومي في اللاذقية والمسرح القومي في دمشق.
افتتح المهرجان بعرض »حفلة سمر من أجل أبي خليل القباني« لفرقة المسرح القومي في اللاذقية تأليف وإخراج لؤي شانا وهو عرض لسيرة القباني رائد المسرح العربي قامت به شخصية المحاضر »حسين عباس« الذي تألق في دوره واستحق جائزة أفضل ممثل دور أول مناصفة .
أما العرض فيقوم على مشاهد منتقاة من حياة القباني المسرحية وتشخيصها على طريقة المسرح الشامل من غناء ورقص مولوي وتعبير وفارس. وقد أعطي العرض جائزة لجنة التحكيم، كما نال الأطفال المشاركون في مشهد الكتّاب الجميل جائزة خاصة.
من أغنية شجية »يا زمن دوّار شو مخبي أسرار« انطلق عرض »الشواهد« لفرقة محافظة السويداء في فضاء يضم مقبرة ورجلين يلتجئان إليها ليبث كل منهما هموم الأوضاع الراهنة المتردية.
وبالرغم من أن المسرحية تخلو من الأحداث إلا أنها تشكل صرخة احتجاج مفعمة بالسخط على راهن رديء، وقد جسدت مشاهد خيال الظل المتقنة بما حملت من أغان ورقصات جانباً من المفارقات والنقد الاجتماعي والسياسي الذي حملته أفكار النص الذي كتبه وأخرجه سمير البدعيش.
من العروض المتقنة كان عرض »نزهة في الجبهة« لفرقة القامشلي إخراج وليد العمر، وقد أعد النص عن مسرحيتين هما ثورة الموتى لأروين شو حيث يرفض القتلى الدفن، ونزهة في الجبهة لفرناندو أرابال حيث يحضر الوالدان إلى الجبهة على دراجة عادية ليزورا ابنهما.
ويقيما حفل عشاء يتآخى في الإنسانية الآسر والأسير ، وبهذا المزج بين أسلوبين ومدرستين مسرحيتين قدم كوميديا ساخرة من الحرب وما تسببه من مآس للشعوب، وقد استحق العرض جائزتي أفضل إخراج وأفضل عرض مركز ثان.
كان للمونودراما دور في المهرجان حيث قدمت فرقة الحسكة نص جواد الأسدي »سوناتا الجنون« أخرجه اسماعيل خلف وشخصته بتول محمد، وهو قصة امرأة مأزومة تحكي هواجسها وأحلامها في نص تشتت أفكاره وغاب عنه التواصل بسبب الرتابة والتشنج والإلقاء غير الواضح.
كما قدمت فرقة شبيبة دمشق جملة نصوص قصيرة بعنوان »كوابيس وردية« شارك في تأليفها مجموعة الممثلين وأخرجها رائد مشرف عرضت القضايا المعيشية والمعاناة والغربة وسقوط قيم الحب، والقضية القومية (فلسطين) التي انتهت إلى الانكسارات والهزائم والإحباطات، وشخصتها اللوحة الموضوعة على الخشبة (فلسطين كراجات).
ولم يحظ العرض اللبناني »منمنمات وطن« تأليف وإخراج عبد الكريم بعلبكي لفرقة أصدقاء بيروت بالتوفيق فكان خطاباً سياسياً سطحياً بعيداً عن شروط الدراما.
وقدمت فرقة توتول المسرحية من الرقة (وتوتول هو الاسم القديم للرقة) عرضها »السفلة« تأليف وإخراج د حمدي موصلي ويحكي بأسلوب اللامعقول حكاية رجل وامرأة يتزوجان وينجبان على رصيف محطة القطار يحاصرهما الجوع، ثم يسافران إلى محطة أخرى بعد أن يبيعا طفلهما إلى ناظر المحطة. والمسرحية إدانة للسلطة القمعية ولعقم الطبقة المثقفة.
وقد فاز المؤلف بجائزة النص وفاز أيضاً كل من ثائر مشوح وزينة سابا اللبنانية بجائزة التمثيل دور ثان. مسرحية »الدرس« ليوجين يونسكو قدمتها فرقة المسرح القومي بدمشق إعداد موفق مسعود وإخراج عبد الله كيلاني.
والنص من المسرح الطليعي، أستاذ يبدأ مع تلميذته مرتبكاً ثم ينتهي بقتلها، مصوراً في حواراته لامعقولية العالم الذي نعيش، عالم يقوم على الوهم. وهم التاريخ، ووهم الزمن، ووهم اللغة، وعلى الافتراس.
العرض الذي شد بإيقاعه المتصاعد الجمهور تألق فيه الفنان القدير زيناتي قدسية الذي استحق جائزة خاصة لمسيرته المسرحية خارج منظومة جوائز المهرجان، كما نالت الممثلة الشابة ريم زينو جائزة أفضل ممثلة، وديانا فاعور جائزة أفضل ممثلة دور ثان.
كيف يمكن أن ننطلق من أغنية لنصنع عرضاً مسرحياً راصداً لقضايا الزيف الاجتماعي، ذلك ما فعله غنام غنام الذي كتب وأخرج نص »يامسافر وحدك« وقدمه مع فرقة المسرح الحر من الأردن. من هذا المسافر وحده في مجتمع حافل بالزيف والاستهلاك ولكومبارسات في كل شيء في الحياة، في الفن والشعر والمسرح والسياسة وهستيريا الحداثة؟
ولأن العرض حمل لغة مسرحية عالية، وإيقاعات جمالية رائعة، فقد حصد معظم الجوائز: كأفضل إخراج، وأفضل عرض متكامل، وأفضل ممثلة دور أول »أسماء مصطفى«، وأفضل ممثل دور أول »عبد الكامل خلايلي«، وأفضل سينوغرافيا.