د. ماري إلياس لـ"البيان":

المسرح لا يمكن أن يكون تجارة رابحة

ترى الدكتورة ماري إلياس أن المسرح مرَّ بثلاث مراحل، نشعر في نهايتها كأننا نعود إلى نقطة الصفر لنطرح الأسئلة ذاتها والمشاكل ذاتها.. فمنذ البدايات بدأت بعض القضايا الجوهرية تظهر بشكل واضح، ولم يتمكن القائمون على الثقافة من حلها، كتعريف المسرح .

وعلاقته مع الغرب واستعارة النصوص وشكل العروض... والوضع الاجتماعي للعاملين في المسرح والعلاقة مع الجمهور... وهكذا بعد التأثر بحداثة ما بعد الحرب العالمية الثانية والمد القومي، أعيد طرح الأسئلة عن وظيفة المسرح ووضعه في المجتمع، والصيغ التي يجب أن يكون عليها.

وعلاقة المسرح بالتراث والهوية الوطنية... ليبدأ تشكيل ملامح المرحلة الثانية والتي من أهمها ظهور المؤسسة المسرحية وبروز مسرحيين مجددين، حاملين لمشروع ثقافي مسرحي، وتبني الدولة لهم ولمؤسساتهم المسرحية.

ولتكون التحولات وصولاً إلى ما يسمى بالمرحلة الذهبية، التي يحقق فيها المسرح تواجداً مهماً له، ومن ثم يأخذ بالتراجع أو المراوحة مكانه لفترة من الزمن، ليصل إلى أزمة حادة لم يتم بعد تشخيصها بشكل واضح.

ومع هذا ترجع الدكتورة إلياس في حوار لها مع »البيان« أسباب الأزمة، أو أهم أسباب الأزمة إلى غياب الدعم، موضحة أن وصول المسرح السوري إلى المرحلة الذهبية كان بسبب وجود الرعاية والاستمرارية، ووجود جيل مختص من المسرحيين، مما مكنه من قطع أشواط مهمة في بلورة مشروعه الخاص على المستويين المحلي والإقليمي.

وتدل العروض التي بقيت في الذاكرة العربية لمخرجين سوريين أثبتوا وجودهم على الساحة العربية، على غنى وغزارة هذا المسرح، وكذلك فإن نصوص الكتاب صارت جزءاً من المكتبة المسرحية العربية والعالمية كنصوص سعدالله ونوس، وممدوح عدوان، وفرحان بلبل، ووليد اخلاصي وغيرهم..

وأضافت د. إلياس أن مهرجان دمشق المسرحي كان حتى الثمانينات معلماً مسرحياً ثقافياً، ومناسبة لاستقدام العروض والندوات التي تدل عناوينها على طبيعة الاهتمامات في تلك المرحلة، وعلى طبيعة المشروع العربي.. وكان أيضاً لإصدار مجلة متخصصة بالمسرح »الحياة المسرحية« دور في مواكبة نظرية للحدث الثقافي وتحقيق الأهداف التي وضعها المسرح لنفسه.

وتتساءل د. إلياس: أين نحن من الأحداث التي وضعها المسرح لنفسه منذ ثلاثة عقود من تغيير وتأصيل وفعالية اجتماعية؟

لماذا غابت الأسماء الكبيرة عن المسرح؟ كل المؤشرات اليوم تدل على عمق الأزمة التي يعيشها المسرح، ولو حاولنا رصد صورة المسرح السوري اليوم، فإننا نصطدم بصورة مشوشة منقوصة، تشي بحالة من الضياع والتخبّط والتراجع أمام الفنون الدرامية الأخرى.

وعن كيفية الرعاية وأشكالها وتعارضها مع الحرية.

وإشكالية المؤسسات العامة والخاصة في توفير مثل هذا الدعم، تقول د. إلياس إن المسرح منذ دخوله إلى وطننا العربي كان مسرحاً بدون رعاية من قبل الدولة، وما بعد الخمسينات بدأت بعض الدول ـــ نتيجة موقفها السياسي من الثقافي ــــ تتبنى المؤسسات المسرحية والمسرحيين.

وكانت الصعوبة ليست في المسرح، بل في الأطر التي تحمل المسرح، لأن لها دلالة ومؤشراً على بقية الأنشطة الثقافية، وفي سوريا تم إيجاد مثل هذه الأطر كالمسرح القومي والمسرح التجريبي والمعهد المسرحي.. لكنها كانت متأثرة إلى حد ما بالأطر الاشتراكية، عكس تونس مثلاً التي استعارت هذه الأطر من التجارب المغربية..

وقد لعبت هذه المؤسسات دوراً كبيراً في تطوير المسرح، وتجربة المسرح القومي السوري، مثال واضح على ذلك الدور، ففي فترة من الفترات أدخل المسرح القومي »المسرح« إلى المجتمع بشكل سليم .

وساهم في نشر الوعي المسرحي والثقافة المسرحية، وكذلك قام المعهد العالمي للفنون المسرحية بتخريج الكوادر التي يعمل أغلبهم حالياً في التلفزيون ويساهمون في الإنتاج التلفزيوني السوري المميز..

وكل ذلك يحتاج للرعاية.. والمؤسف أن تسعيرة الممثل في التلفزيون أعلى منها بكثير في المسرح، وحين نتكلم عن الثقافة، نخجل من التطرق إلى القضايا المالية، بينما هي في الواقع أساسية لكي يستطيع هذا الممثل أن يعيش وينتج ويبدع.

وتؤكد د. إلياس انه لا يمكن للمسرح أن يستمر دون تحقيق شرطين، هما الحرية والرعاية مهما كانت سياسة الدولة التي يتبع لها هذا المسرح، فالمسرح لا يمكن أن يكون تجارة رابحة، لذلك لابد من تأمين الرعاية لضمان وجوده ضمن أطر متنوعة ومتعددة.

وبالنسبة للمسرح السوري لابد من إعادة النظر بشكل تطبيق هذين الشرطين، وابتكار حلول جديدة، لتنوع الجهات الداعمة بحسب توجه وخصوصية كل مشروع على حدة، ولا يمكن أن تكون الجهة الداعمة واحدة دائماً لأن هذا بحد ذاته يقتل هامش الحرية والإبداع.

وبعد تناولها لأزمات المسرح الأخرى، كتشتت التجارب، وغياب المسرحيين الكبار وندرة النصوص العربية، وغياب السياسة الثقافية والقوانين التي تنظم الفرق المسرحية وتدعمها، تحدثت د.إلياس عن أزمة الجيل الجديد الذي يقدم أعمالاً .

وبكثافة أحياناً توحي بأن المسرح معافى، لكنه يبدو كاليتيم الذي يعيش في ما ليس له، وتجاربه متقطعة بشكل لا يسمح لها بالتطور، وغير قادر على ترسيخها بحيث تشكل معلماً في الحياة الثقافية الاجتماعية.

إن ملامح تجربة مسرح الجيل الجديد ـــ كما تضيف د. إلياس ـــ تبين أن المسرح في سوريا والدول العربية، يعيش مشاكل حقيقية، فهو يفتقد الهوية أولاً، والهوية »الخاصة« مازالت ضرورة ولا يمكن الهروب منها بالقول إننا في زمن العولمة..

ويعاني أيضاً من نتائج الهوة الموضوعية التي تفصل بينه وبين الجيل السابق، وغياب أي تواصل له مع جيل الآباء، وبالتالي لا يشكل استمرارية طبيعية له، ولا حتى موقفاً نقدياً منه.

وتقول د. إلياس إن هناك إشكاليات أيضا تتعلق بالمسرحيين ونمط تفكيرهم، ومن هذه الإشكاليات قضايا مثل الثقافة والتخوف من التبعية والتجريب، وازدواجية المرجعية »عربية غربية« وغيرها من القضايا..

وتشير د. إلياس إلى أن الانفتاح على الثقافات الأخرى هو الذي سمح للمسرح الغربي أن يتطور خلال القرن العشرين، وأن يتحول إلى فضاء عولمة بالمعنى الايجابي للكلمة، والثقافة التي نطالب بها يجب أن تقترن بوعي تاريخي بما يحصل اليوم، وأن تكون بحثاً إنسانيا لا يلغي الآخر.

وتؤكد في نهاية حوارها أن المسرح مؤشر على صحة المجتمع وعلى مستواه الثقافي، ويجب أن نتمسك بتعريفه كمؤسسة اجتماعية تقوم على عمل الأفراد، وتنتج منتوجاً استهلاكياً يساهم في الترفيه.

وفي اللحمة الاجتماعية، ولكن دوره الأهم في مساهمته في إغناء الحياة الفكرية والفنية للمجتمع، فهو الأكثر قدرة على قراءة العالم والمعاناة البشرية، وتحليل الأفكار والمواقف.

د. ماري إلياس

تعمل الدكتورة إلياس أستاذة في جامعة دمشق ـــ كلية الآداب ـــ قسم اللغة الفرنسية، وفي المعهد العالي للفنون المسرحية.. وقامت بتصميم المناهج في قسم الدراسات المسرحية.

لديها كتابات متعددة في المسرح، منها المعجم المسرحي بالمشاركة مع الدكتورة حنان قصاب حسن، وكتاب انطولوجيا المسرح الفرنسي الحديث، إضافة إلى مقالات في مجلات متخصصة كالحياة المسرحية، وترجمات لنصوص مسرحية.

محمود أبو حامد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات