خريف يريفان رغم برودته القارسة، حميمي، أنيق، محفز، لم يدع لنا مجالا للمكوث في الشقة الدافئة، وترك شوارعها المغسولة بزخات المطر للريح وأوراق الشجر المصفرة المتساقطة بمناظر طالما اصطادتها يد الفنان المبدع فحول المشهد الآني، إلى لوحات خالدة.

في الطائرة المغادرة من دبي، صوت داخلي كان يتساءل، يا إلهي، إنهم يشبهون سحنات جيرانهم الإيرانيين، بل حتى ان بعض السحنات الرجالية، الشعر القصير جدا، بقصات عسكرية ،هيئة الشخص، الوجوه الحليقة، كيفية ارتداء القمصان مفتوحة الياقات، سلاسل الذهب التي تطوق الاعناق، حب التدخين بشراهة، بعض الكروش النامية والكروش الكنغ سايز ذكرتني بكروشنا العربية العريقة، الأيدي التي تعبث بـ"الموبايلات" طوال مدة الرحلة تقريبا، ملامح الوجوه الرجالية لا تختلف كثيرا عن سحناتنا العربية والأمر بدا لي لا يحتاج إلى عالم سلالات وأعراق...شيء ما بدا لي ان هذا الشعب قريب منا..

الأرمن شعب ولغة وحضارة ممتدة منذ آلاف السنين. العرب المسلمون، والكرد، والفرس، والكرج والترك والآذريون والروم البيزنطيون كلهم مروا من هنا وتركوا آثارا، وكانت أرمينيا البوتقة التي انصهرت فيها حضارات تلك الأعراق والأجناس فشكلت شعبا يتنفس ثقافة، ويتكلم تاريخا، مشبعاً بروح دمثة، مسالمة، ودودة تأسرك بأريحيتها.

وأرمينيا تاريخيا كانت تمتد فوق بقعة جغرافية هائلة من حدودها الشرقية الحالية إلى حدود مدينة كيليكيا على البحر المتوسط.

الشعر الأسود الفاحم للرجال، بدا لي متماشيا مع الجاكيتان الجلدية السوداء التي يرتديها الشباب والمسنون هنا، درءا لبرودة الجو، الملامح الشرقية للمسنين، ولمسات الجمال الأخاذ للصبايا، أي دورة من تحسين النسل كرت تاريخيا على هذا الشعب، فجمعت المرأة الأرمينية كل ملامح الجمال المنتقي من نساء تلك الأجناس والأعراق التي تزاوجت وتوالدت على أرضها وعلى مدى قرون. ألم يكن أمهات بعض الخلفاء المسلمين، أرجوان، وقرة العين وسلسلة طويلة من المحظيات الفاتنات اللواتي لعبن أدواراً مهمة في التاريخ.

يريفان.. طفلتي الجميلة، كيف أنت، ماذا فعلت بغيابي، طفلتي البريئة، لقد افتقدك، واشتقت إليك، ألم تشتاقي إليّ؟.. هكذا تتهادى هذه الأغنية الفولكلورية الشائعة هنا متغزلة بهذه المدينة الصغيرة بحجمها، الكبيرة، العميقة بمشاعرها الدافئة حيث يحس الغريب فيها كأنه أحد أبنائها...

aalsanjari@yahoo.com