لا يخفى على أحد الإرث التاريخي في الكتابة الصحافية للأديب جمعة اللامي، الذي يمكن من خلاله وبه أن نقول إنه صار »شيخ طريقة« في كتابة العمود اليومي...

وإضافة إلى كتاباته القصصية والروائية، يؤسس اللامي في إصداره الجديد »ابن ميسان في عزلته« لكتابة سير جديدة، يعلن فيها عن مكامن تجاربه في علاقته مع الآخر الإنسان، والآخر المكان..

والمتمعن في نصوص الكتاب سيكتشف أن اللامي أقرب إلى المكان، ليس كمرجعية للسكينة أو للدفء أو كفراش للأحلام، بل كمعادل موضوعي للغربة والاغتراب من جهة، وكمرايا للحنين إلى ابنة الماء »ميسان« من جهة ثانية..

وصيتي إذا ما مت ادفنوني بين نخلتين في ميسان / ابعدوني عن أبواب مكتب الجمارك / وإن سألوا: لمن هذا الجسد المعطر بالحندقوق / قولي لهم: نخلة حلفت بالماجدية أن تدفن في ميسان...

وإن تحدث اللامي في مستهل كتابه عن أسباب اختياره للمكان قائلا: »أفشل أنصاف الكتاب، وأرباع الشعراء، والنابذون لأفكارهم، والمعترفون على زوجاتهم وتلاميذهم، مقامي في بيروت بعدما اكتشفوا شجاعتهم المؤجلة بعيدا عن الساحة الحقيقية - العراق - فقلت:

هيا إلى الخليج حيث يستطيع المتكئ إلى ضميره فقط، الانسجام مع شرطه الإنساني والأخلاقي.. «. إلا انه صار كل منهما - اللامي والشارقة كمكان - يختار الآخر كي يبوح له عن هموم الناس وتبدلاتهم تحت قيظ الشمس.

ويصوغان معا مواقف للذاكرة والذكرى.. وإن كانت عبارة »جغرافيا الروح« ضربا من ضروب المجاز، فإن اللامي أعطاها معاني دلالية وتعبيرية واقعية، حيث ربط الروح بالمكان الثابت في المخيلة »ميسان«.

وتحولات المكان »الشارقة« كحاضنة لغربته، عبر أحاسيس مرهفة تارة، وآلام وآمال موجعة تارة أخرى... ودائما بلغة رصينة تخص اللامي، وكونه شيخ طريقة تكمن خصوصية لغته بالمحافظة على أصول العربية، والحرص على المعاني العميقة للمفردة من خلال السهل الممتنع.

والدراية بالسياقات اللغوية ومستوياتها، والدقة في الحصول على المعلومة والتعامل معها..... ويبقى السؤال: ما الذي غيره المكان في جمعة اللامي فكريا أو ايديولوجيا، وأيضا اجتماعيا ؟؟

كتاب »ابن ميسان في عزلته« الذي يؤسس لكتابة لامية جديدة، يؤسس أيضا لسلسلة تحت عنوان »دفتر الشارقة« ستصدر أجزاؤها تباعا، والجزء الثاني »مملكة الحكمة، بوابة الكلمة« مجموعة مقالات مما كتب اللامي في عموده اليومي.

ولا بد أن يثير الأسئلة من جديد حول إمكانية جمع مقالات كتبت بأزمنة مختلفة، ومنها ما كتبت عن أحداث انتهت، ومنها ما كتبت عن أناس رحلوا ومنها ما كتبت عن آمال تحققت...فكيف يصلح ذلك عند اللامي ؟؟ِ

إن اللامي يؤرخ في كتابه لتحولات ثقافية صارت في الإمارات، ليس من خلال الشخوص وتطوراتهم وأعمالهم وهناتهم وتميزهم وحسب... بل من خلال الأمكنة أيضا، كقاعة أفريقا، ذاكرة المدينة الحاضنة لشخوص مروا من هنا أو رحلوا من هناك... من عبد العزيز كامل إلى محمود درويش إلى صلاح خلف إلى حمد بوشهاب..

وإن كان لابد من التطرق لقضايا أخرى، فإن في عمود اللامي غالبا حكاية، وكل الحكايات يمكن إسقاطها من الماضي على الحاضر، وربما تحمل في ثناياها الطرفة أو الحكمة.. لكن أهم ما تحمله كتابات اللامي هو الموقف.

وبعيدا عن اتفاقنا أو اختلافنا معه، هل ثمة أمور في عالمنا العربي اتخذنا حيالها مواقف ما، تغيرت أو تحققت حتى نعيد النظر فيها، أو نعتبرها قديمة ؟ إن العكس تماما هو الذي يحدث، مما يستدعي مضاعفة الاهتمام بمواقفنا، وأبسطها:

كنا في فلسطين صرنا في العراق.. ولا تتوقف المواقف عند ذلك فحسب، فالمواقف الإنسانية مستمرة مع استمرار الوجود، وجوهرها بالتأكيد يصلح لكل زمان ومكان.. كتب الأديب جمعة اللامي في 18/10 / 1994 مقالة تحت عنوان »الاغتيال السياسي..

عربيا«، استنكارا لمحاولة اغتيال نجيب محفوظ، ومما جاء فيها:الاغتيال السياسي يتصاعد عشية الأحداث الكبرى.. إن اغتيال يوليوس قيصر بتلك الطريقة البشعة، ربما يومئ إلى هذه الفكرة على صعيد الحضارة الإنسانية.

ولكن اغتيال الخلفاء »عمر وعثمان وعلي.. رضي الله عنهم« يكشف عمق التضاد والتناقض في الأفكار والتجربة، بين هذه النماذج الأخلاقية الرفيعة، وبين الجهات المقابلة لهم..

Abohamed88@hotmail.com