أصاب الأديب محمد البساطي الوسط الإبداعي المصري والعربي بالحيرة والدهشة فبعد مسيرة مديدة من الروايات والقصص التي تدور في عالم القرية الأثير لديه إذ به ينتقل فجأة إلى عالم المدن ليس هذا فحسب بل المدن الخيالية فبعد أن كان يناوش المدينة في بعض أعمال سابقة أصدر مؤخرا روايته »دق الطبول« .

وقبلها بثلاثة أشهر فقط أصدر روايته »الخالدية« والاثنتان تدوران في أجواء مدن متخيلة وتجوسان في طيات وجوانب ناسها وشوارعها وأروقتها الأمر الذي انطرح معه التساؤل:

٭ هل ترك الأديب محمد البساطي عالمه الإبداعي الأثير بلا رجعه وذهب إلى عالم المدينة؟ وهل نضبت البيئة القروية من وجدانه وماذا يعرف البساطي عن عالم المدن الذي يتصدى للكتابة عنه؟

البساطي أعلنها صارخة ...جئتك يا مدينة يا قاسية يالاهبة ظهور سكانك

وأضاف البساطي في حواره لـ »البيان« إنني خرجت على الخط المألوف لإبداعي ليس لنضوب أفكاري عن عالم القرية ولكن لخلق مساحات جديدة أمامي أمارس من خلالها التجريب .

والذي شجعني على الخروج من عالم القرية إنني كتبت قبل ذلك رواية ليلة أخرى وكانت عن عصر الانفتاح في مصر وعدت بعدها مرة أخرى إلى القرية بسهولة وكتبت رواية فردوس وأوراق العائلة ولذلك جربت الخروج في »الخالدية« و»دق الطبول« لأنني أطمئن إلى الرجوع للقرية، فأنا أحياناً أجرب ان اشطح بخيالي بعيدا والشطحان مع الخيال ممتع للكاتب.

٭ ماذا عن روايتك الأخيرة دق الطبول؟

ـــ الرواية بها إسقاطات على الواقع العربي ورؤية الناس الساخرة للحياة المنكسرة التي يعيشها »المستخدمون« وعدم قدرتهم عن التعبير عن أنفسهم ولكنهم يعيشون ويتفاعلون مع حياة ليس لهم فيها سوى التهليل لحكامهم فالرواية تكشف الواقع العربي المتردي الذي نعيش فيه.

وهي مكتوبة بطريقة الفانتازيا رغم إنها واقعية، فكما رأى كل من قرأ رواية الخالدية أنها فانتازيا ولكنها كانت شديدة الواقعية وكذلك دق الطبول التي تعايش مأساتنا المستمرة فالشعوب البائسة في زيادة مستمرة..

باكستان والفلبين والهند وغيرها من الدول تعيش شعوبها في حالة انكسار والانكسار يجعل المشاعر الخاصة مختفية ويوضع عليها حجاب هكذا كانت مشاعر المستخدمين في الإمارة التي تخيلتها في الرواية ربما هي نوع من فانتازيا الكتابة ولكنها فانتازيا حقيقية نخجل أن نعترف بها رغم أننا نعيشها بكل أبعادها.

فالحكام في روايتي تشغلهم كرة القدم وتدريب فريقهم والمباريات الداخلية التي تؤهلهم لكأس العالم وعندما وصلوا لمرادهم بالمشاركة والتأهل لكأس العالم كانت الاحتفالات الكبيرة والأفراح حتى وصل الأمر إلى أن حاكم الإمارة يأمر بذهاب الشعب كله للمشاركة في مشاهدة وتشجيع فريقهم القومي. ولم يبق غير المستخدمين الذين بدأوا في التعرف على بعضهم البعض.

وكانت زاهية بطلة الرواية التي تعمل جليسة لزوجة أحد الأمراء في البلدة مطلعة على حياتهم الخاصة حيث كان عملها ينحصر في الثرثرة مع زوجة الأمير البدينة التي لا تستطيع الحركة لدرجة عدم قدرتها على القيام من فراشها وممارسة حياتها الطبيعية والزوجية فتقوم هذه الزوجة بلفت نظر زوجها إلى زاهية .

وإقناع زاهية بالزواج منه ولكن دون علم احد من سكان الإمارة، وتحاول أن تحقق رغباتها من خلال زاهية، وتصبح زاهية جزءاً من السيدة حتى تحمل زاهية من السيد فيكون سعيدا.

حيث إنه لم يرزق بأطفال من زوجته وتقوم السيدة بكتابة الطفل باسمها واسم زوجها وليس باسم زاهية التي تظل مجرد مستخدمة لطفلها ويولد سالم ليصبح ابنا للسيد والسيدة اللذين لا ينجبان .

وكل الرواية تقوم على حكي زاهية لأحد السائقين وهو مستخدم في القصر المجاور للقصر الذي تعيش فيه تقوم بالثرثرة معه في فترة الفراغ التي تعيشها بعد ان سافرت السيدة وكل أهالي الإمارة لمشاهدة مباراة كأس العالم التي يشارك فيها فريق الإمارة.

٭ كم أخذت من الوقت في كتابتها؟

ــ لم تأخذ الرواية وقتا طويلا في الكتابة سوى أربعة اشهر ولكن التفكير فيها استمر ستة شهور، وكنت أسجل خلالها المشاهد وعناوينها ولا أكتبها في وقتها ولكني كتبتها بعدها بوقت كي تتعمق بداخلي.

٭ ولكن كيف ترى من وجهة نظرك ارتيادك لعوالم جديدة غير عالم القرية المألوف لديك؟

ـــ هذه الرؤية متروكة للنقاد ولكن من وجهة نظري أرى ان »الخالدية« و»دق الطبول« خروج عن الخط المألوف، والبعض متحمس لهذا الخروج والبعض الآخر يرى أن أعود إلى الكتابة عن أجواء القرية.

٭ ترى أي من العالمين أسهل عندك في الكتابة؟

ـــ الكتابة عن القرية أسهل لأنك تستعيد ذكريات وشخصيات تعرفها في استعارة تحاول توليف الحكي لخلق فني،ولكن الخيال يعجز في أوقات وتأخذ فترة حتى تصل إلى الصورة التي تعتقد أنها مناسبة للعمل الفني.

٭ خروجك من عالم القرية ثم عودتك إليه يشير إلى عدم وجود خيط ما يربط بين رواياتك؟

ـــ هذا ما يوحي به الظاهر غير أن الإجابة الدقيقة عن هذا السؤال من مهمة النقد الذي يعتبر أقدر على رؤية النص الأدبي مني، فبعد الانتهاء من الكتابة لا يتبقى في نفسي من النص غير ما كانت تثيره كتابته في نفسي قبل البدء فيه، أما الصورة التي يولد بها النص ومدى علاقتها بما كان في نفسي، فلا أدري شيئا عنهما وأتلمسهما لدى القارئ.

وعامة أعتقد أن ثمة خيوطا كثيرة تربط بين أعمال المبدع: الرؤية – تناول الأشياء والشخوص- المكان المفضل لديه- الأشياء الصغيرة التي تميز كاتبا ً عن الآخر بحيث تقرأ كتابته فتقول إنه هذا الكاتب بعينه.

وقد حدث من قبل أن تناولت قصة خارج حدود النص الذي وضعتها فيه أولاً،فقصة »الأرامل« المنشورة في مجموعة »منحنى النهر« كانت مكتوبة منذ زمن طويل إلا انني شعرت بعد كتابتها أنها في حاجة إلى عمل آخر حتى جاءت في رواية »أصوات الليل«.

وكذلك على سبيل المثال قد لفتت الناقدة الدكتورة لطيفة الزيات رحمها الله نظري لذلك في دراسة لها عن مجموعة »منحنى النهر« حيث قالت ان بعض قصص المجموعة تشكل وحدة واحدة.

٭ نلاحظ في هذه الرواية كما في رواياتك السابقة ولعك بالنهايات ما سر ذلك.

ـــ لحظات النهاية دائما اعتبرها محطة للاسترخاء، لكني حتى الآن لم أبحث في نفسي عن دافع الكتابة،وربما كان هو الإمساك بالزمن الهارب إلى جانب دوافع أخرى،وأنا عامة لا أشعر بوجودي إلا في الكتابة.

٭ أنت متهم بأنك تقدم كثيرا من المسكوت عنه ومن الأحداث الصادمة ولكن دون أية رغبة في تفجير وعي القارئ.. لماذا؟

ـــ إن الواقع المصري نفسه ساكت لا يستجيب للصدام، وتقول كتابات جمال حمدان إن واقعنا يتغير تغيرا بطيئا بدليل بقاء المستعمر البريطاني مثلاً لأعوام طوال دون أن ينقلب الشعب ضده، لكن الأمر لا يرجع إلى الاستسلام.

أو التعاطف مع هذا الواقع القاسي بل يرجع إلى تكوين الشخصية المصرية المحيرة التي أحاول فهمها في الوقت الذي أراها فيه مكتملة داخلي.

٭ وهل لذلك تبدو المرأة أكثير تمرداً في أعمالك؟

ـــ المرأة لدى أكثر عمقاً في تأمل الحياة وعلى تحملها من الرجل والمرأة تستطيع ان تخلق من حولها جوا ومناخا وحياة فالشخصية العادية لا تصلح أن تخلق مواقف فهي مسحوقة تماما،ولكن هذه الشخصية غير العادية تجد النساء العاديين حولها.