تخوض الفنانة وفاء خازندار تجربة جديدة في معرضها السادس المقام حالياً في رواق الشارقة للفنون، من خلال سبع عشرة لوحة متفاوتة القياسات، اشتغلتها »بالاكريليك«.
ومواد إضافية متنوعة، تقابل هذه الأعمال نصوص شعرية، ترسم أو توحي للقارىء أحياناً بخطوط مغايرة لانطباعاته عن اللوحة، وتقوده أحياناً أخرى الى متاهات تضيع فيها أولوية الخلق أو البناء وجدارة من يتأسس على من؟ لكن مع كل هذا ثمة خصوصية تثير الجدل.
المتمعن في أعمالها سيجد أنها تنتمي الى مرحلة فنية واحدة، وطقوس واحدة، حيث تتقارب الأجواء العامة لعناصر اللوحات وطريقة التعامل مع بنائها في ظل سيطرة هاجس أولي.
وهو محاولة ايصال فكرة ما.. فتتسرب الأفكار من بين أصابعها أحياناً لتعطي ايماءات مغايرة لاسئلة بعيدة أو عميقة، تثير التفكير بأشياء جديدة، وخاصة ان للتيمات أو الرموز عبر تحولها التاريخي معاني ودلالات ليست متطورة باستمرار، بل تختلف أيضاً باختلاف خرائط الأمكنة واتساع الذاكرة البصرية وفلسفات الآخرين.
تسيطر الحكاية على كل أعمال المعرض بشكل واضح، وتتمحور كمرجعية للفنانة في محاولة ايصالها لأفكارها، وفي كثير من استعاراتها ومجازاتها وأجوائها.. لكن ما يصبغ على هذا المعرض دهشة مغايرة هي الخرافة، الخرافة من الحكاية.
والخرافة في الحكاية، فلا تحتاج الفنانة للسيريالية أو اللامعقول حتى تصل أعمالها لذاك الادهاش، وإنما باستخداماتها الغرائبية للأقنعة والوجوه والوضعيات المختلفة لكائنات كأننا نعرفها.
والتبدلات الدلالية للرموز والتيمات.. فتارة يطفو على السطح حصان أسطوري مفاصله الحلزونية تركض بنا الى عالم آخر، وتارة يغيب ليصير الحلزون بيتاً لرجل، لا يشبهنا أو نعامة تشبهها.. وتارة يصير ذيل الجرادة سنبلة قمح أو تصير السمكة عرافة لهياكل التكوين.
ان هذه الخرافة التي تصير جزءاً من بنية اللوحة ومتكئاً لدهشة الحكاية، لا يمكن ان يواشجها نص شعري يحاول ان يمنحها المعنى الضيق للإدهاش أو يحاول ان يعيدها من ما وراء الميتافيزيق الى »نصوص شعرية تنطوي على ثنايا لغوية ودلالية وموحيات« لأن حتى الخرافة ـ الفكرة، المستمدة من حكايا الجدات.
وكوابيس التخيلات والتأملات.. تتجاوزها التشكيلات الفنية واللونية دائماً، وإلا لما كان أصلاً الفن التشكيلي بهذا الرقي وذات العمق.
وان لم يكن هذا في حسبان أصحاب »التواشج« فإن الخرافة في اللوحة فتحت تأويلات جديدة لخرافة مغايرة واكسبت المعرض ذاك الإدهاش المغاير.
من الواضح ان سيطرة الحكاية الفكرة ــ الحكاية الخرافة أغنت اللوحات بأشكال متنوعة وزخارف وفلسفات ورؤى، لكنها أزاحت الضوء قليلاً عن اهتمام خازندار بتقنية اللوحة وعلاقة الظل بالضوء والبعد الثالث.
وسماكات اللون وتدرجاته وتعبيراته في صياغات متنوعة لعمق اللوحة »وتواشجات« ذاك كله مع الشخوص والاشكال وحركاتها ووضعياتها وتعبيرات التيمات .
وتشكيلات الرمز حين يكون مستمداً من الأسطورة أو من الحكاية وحين يصير من البنية الأساسية للوحة أو الخرافة.. فالفنانة لا تأبه بكل هذا من جهة ولا تأبه للمدرسية من جهة أخرى، وأشكالية العلاقة بين أطراف هذه المعادلة »اللاانتماء« يضفي على الفنانة شيئاً من الإرباك.
لكن السمة العامة لشغلها ــ وهي التجريب ــ تعطي للارباك معنى ايجابياً، وخاصة ان ثمة خيوطاً بدأت تتشكل داخل الأجواء العامة المتآلفة قد توحي بتكوين ملامح خاصة للفنانة.
الكثير من اللوحات توحي للمشاهد بذاك التخمين: كأني شاهدت هذه الأعمال من قبل؟ ان هذا الاحساس أو الزعم أو الانطباع، يحدث أحياناً في قراءة قصيدة أو قصة.. لكن هل ثمة »تخاطر« في الفن التشكيلي؟!
تستعير أو تستعيد خازندار بعض تيماتها أو مياسمها من أعمال عالمية وعربية.. وكما الديك ليس ملكاً لأحد، الحلزون كذلك والجرادة أيضاً، وربما النعامة..
لكن الاسئلة ــ التي هي ملك للجميع ــ تظل عالقة في الذهن وتثير التخمينات من جديد.. فثمة وضعيات لشخوص ونقوش وأوشام وتيمات مشابهة لأخرى.. ولا يتوقف الأمر أحياناً على استعارة الرمز بل معه دلالاته ذاتها أحيانا..
وثمة حالات حركية مرتبطة بعناصر بعينها. وحيوانات لا تنتمي لجنس بعينه ولكن الى من تنتمي؟! في الوقت الذي تسعى فيه وفاء خازندار الى استخدام مغاير يواكب الجديد في تجربتها، تقع في تكرار ممل يتجاوز الخصوصية الى اللامعنى، كما يحدث مع أوراق الشجر الهاطلة غالباً أو مع القوقعة أحياناً..
ومع كل هذا يرجع حجم شوال: هل شاهدت هذا من قبل؟ الى سعة إطلاع المشاهد على الفنون العربية والعالمية وثقافته الفنية.. لذلك هذا المعرض بالذات بحاجة إلى قراءات نقدية متخصصة جداً.
محمود أبو حامد