يتابع الشاعر محمود درويش في ديوانه الشعري الأخير كزهر اللوز أو أبعد تحولات خطابه الشعري من داخل التجربة التي بدأها مع ديوانه لماذا تركت الحصان وحيداً، حيث تأخذ هذه التجربة في تحولاتها بعدين اثنين على صعيد الشكل والمستوى التعبيري.
وعلى صعيد المضمون والمستوى الدلالي دون أن يعني ذلك وجود انفصال بين المستويين اللذين يتكاملان على مستوى الرؤية الشعرية وأشكال مقارباتها للواقع وقضايا الحياة والإنسان.
ويمكن للقارئ أن يتلمس ذلك منذ البداية، حيث يلعب العنوان الرئيسي والاستشهاد الذي يصدرِّ به الديوان دوراً أساسياً في تكوين نواه بنية دلالية كبرى وأولية ذات بعد إيحائي تشير إلى جماليات الخطاب واقتراحاته الشعرية المتمثلة أولاً في بنية العنوان البلاغية واللغوية إذ يحذف المشبه، ويبقى على أداة التشبيه والمشبه به.
ما يجعل باب التأويل مفتوحاً وكذلك أفق التوقع، في حين أن المقبوس المستمد من كتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي يؤكد على قيمة الكلام الذي تقوم صورته على نظم كأنه النثر، ونثر كأنه النظم، ما يشكل مفتاحاً قرائياً يحدد مضمون رؤية الشاعر إلى جمالية لغة الشعر الجديدة التي تشكل بنية خطابه في هذا العمل الجديد.
توزيع عناوين الديوان على خمسة عناوين داخلية فرعية، أربعة منها هي ضمائر منفصلة (أنت ــ هو ــ أنا ــ هي)، وهذه العناوين التي تشتمل على عدد من النصوص الشعرية تأتي في صيغ المخاطب، والمتكلم، الحاضر، والغائب المذكر والمؤنث، وهذه الاستراتيجية في العنونة تقوم على تنويع ضمائر المتكلم أو تعدد الأصوات في الخطاب الشعري.
بحيث تؤدي إلى تحرير الخطاب من هيمنة ضمير المتكلم الذي هو الضمير الغنائي بامتياز، وبالتالي تؤدي إلى انفتاح الخطاب على الكينونات الغائبة التي يستحضرها في نفس الوقت الذي تكون فيه صوت الأنا، لكن لعبة الضمائر تندمج في بؤرة واحدة، هي صوت الراوي أو المتكلم الذي هو صوت الشاعر، ما يوحي بأن صوت المتكلم في الخطاب الشعري هو صوت الأنا، وفي الآن نفسه صوت الآخر في غيابه.
إن تعدد هذه الضمائر لا يمكن فصله عن منطلقات الرؤية الشعرية ومقارباتها سواء على مستوى اللغة، أو على المستوى الجمالي، وهو ما يعبر عنه الشاعر أكثر من مرة في متون نصوصه الشعرية، عندما يؤكد على علاقة التداخل بين الواقعي والمجازي، وعلى تجلي الشعري في الواقعي والواقعي في الشعري.
وللتخفيف من علو نبرة الصوت الغنائي في النص الشعري يستخدم الشاعر أحياناً الجملة النثرية، كما يستخدم أسلوب الشرح والتعليق والانتقال من تفعيلات بحر شعري إلى تفعيلات بحر آخر في النص الشعري الواحد.
وبقدر ما توحي هذه الضمائر بالحضور المتعدد للأصوات الممثلة للكيانات الإنسانية المشكلة للحياة، فإن نصوص الديوان تذهب عميقا في استحضار جدل الحياة.
والتأكيد على قيمتها الجمالية في حياة الإنسان، في الوقت نفسه الذي يحاول أن يذهب فيه إلى البسيط والعادي والمألوف في الحياة ليكتشف البعد الشعري فيه، ويمنحه طاقة إيحائية ودلالية تعبر عن تجربة الإنسان الوجودية والعاطفية وعن حالاته الإنسانية التي تدّل على قوته وضعفه.
وفي جدل الحب الذي يتعمق خطابه، تبرز ثنائية الحسي والروحي، المرئي والسري، الحب والموت، الأنثى والرجل، الأنا والآخر، الحضور والغياب، الحياة والعدم، الفكرة والتجسد، ما يجعل الخطاب الشعري يتنامى إيقاعه الدرامي المتوتر من خلال هذه العلاقة التي يظل فيها حضور الذات علامة تؤكد معنى الغياب الذي يمثله وجود الذات في هذا الوجود:
قل للغياب نقصتني
وأنا حضرت.. لأكملك
يفتتح الشاعر نصوص الديوان بالعنوان الفرعي (أنت) الدال على ضمير المخاطب وفيها تبرز عالياً الدعوة الى كسر دائرة الإنفاق على الوجود الذاتي الخاص والانفتاح على وجود الآراء، والتفاعل الحي والإنساني معه في حالاته وأشكاله المتعددة من أجل تحرير الإنسان من أنانيته وانغلاقه على ذاته.
ولذلك يحمل النص الأول عنوان (فكّر بغيرك) لجعل الحياة أكثر إنسانية وتكاملاً وانفتاحاً بالشكل الذي يثري الحياة قيمة ومعنى، وهو ما نجده أيضاً على مستوى دعوة الإنسان في كهولته الى الفرح والحلم الذي يحرر الحياة من محدوديتها، ومن شرطها الإنساني، ويطلق الروح في فضاءات أبعد وأجمل.
وينتقل الشاعر في العنوان الفرعي الثاني من ضمير المخاطب إلى ضمير المفرد الغائب حيث يأخذ الخطاب صيغة الديالوج (الحوار) بين ضمير الغائب وضمير المتكلم اللذين يتوحدا في نهاية الخطاب:
ولكن شهوتنا للحياة ولو خذلتنا البراهين، أقوى من الحب والموت
فلننه طقس جنازتنا كي نشارك
جيراننا في الفناء
الحياة بديهية.. وحقيقية كالهباء!
ويحضر صوت الشاعر في نصوص العنوان الثالث »أنا«، الذي تمثل مع العنوان التالي »هي« أكثر نصوص القسم الأول من الديوان، وفيها يغدو الشعر هوية للذات، أو طريقها الأقصر والأجمل إلى اكتناهها وإثراء معنى الحياة والبحث عن الجمالي المطلق في الحياة:
لا وطن ولا منفى هي الكلمات
بل ولع البياض بوصف زهر اللوز
لا ثلج ولا قطن فما هو في
تعاليه على الأشياء والأسماء
لو نجح المؤلف في كتابه مقطع
في وصف زهر اللوز لانحسر الضباب
عن التلال وقال شعب كامل:
هذا هو
هذا كلام نشيدنا الوطن
في هذه النصوص يستحضر صورة الذات في كسلها وضجرها، وعلاقة الخريف بالغموض الخفيف للشعر، والربيع بمهرجان الزواج الاباحي بين النباتات والشتاء بالبداية المتجددة للحياة، وحالات الغربة في العلاقة مع المكان الأليف ثم تأتي النصوص التالية التي يكون الخطاب عن المرأة ومعانيها الجميلة العالية.
وهنا يلاحظ على مستوى الصورة الاستعارية والتشبيه أن عناصر الطبيعة تمثل العناصر المكونة لهذه الاستعارات والتشبيهات في حين يحضر الحب بحالاته وأشكاله المختلفة، وتظل الأنثى والرجل هما فضاء الحس والروح.. والجمالي والواقعي في هذه العلاقة البالغة الدلالة والبسيطة في معناها أيضا.
حيث يظل الحوار والسؤال مفتوحا على الغيب والسخري والغامض المدهش فيها، بل يغدو مجاز الحب ارتفاعا بالحسي إلى أعلى درجات البلاغة والحلم، أو العكس، والشاعر هنا يستجلي رؤية المرأة إلى الحب وتحولات إحساسها به، وكذلك رؤية الرجل إليه وإلى المرأة في هذه العلاقة:
وأنت معي يعرف الصمت، يغرورق
الصحو بالغيم، والماء يبكي ويبكي الهواء
على نفسه كلما اتحد الجسدان
ولا حب في الحب
لكنه شبق الروح للطيران
يستخدم الشاعر في هذه النصوص التكرار، لاسيما تكرار الاستهلاك الذي يأتي في مقدمة الكلام لتأكيد حضور الفكرة أو الحالة في نفس الشاعر، وفي الوقت نفسه تحقيق أهداف نصية وإيقاعية، وتعميق إحساس المتلقي بها، كما يستخدم الشرح والتعليق والحوار والسرد الحكائي والوصف، والتراكم المركب الذي يستهل به بعض القصائد.
أما نصوص الديوان الأخير التي حملت عنوان منفى مع الترقيم المتدرج، فقد أضافت عنوانا فرعيا يحمل دلالة كلية تستغرق النص وتشكل بؤرته الدلالية، وهنا يقترب الشاعر أكثر من الموضوع الفلسطيني بأبعاده التاريخية والمكانية والوجودية والإنسانية »لكن الأبرز في هذه النصوص هو استجلاء صورة الغريب في المكان الغريب، وعلاقته مع المكان والآخر والزمان.
ومعاني ارتباطه الروحي والوجودي مع الوطن ــ الأرض، مؤكداً معنى العلاقة معه كشرط للحياة وتحققها، وهكذا يغدو الراهن في التباس صورته بمثابة »ضباب كثيف على الجسم« ويغدو المكان هو العاطفة كما تغدو العلاقة بين المنفى والوطن علاقة طباق.
مفيد نجم
