قيلت هذه القصيدة في ذلك الزمان، عندما كان بيننا جسداً وروحاً، إنه زايد الإنسان الذي شيّد وعمَّر هذا الكيان الذي نفخر به.. لقد رحل الجسد.. وبقيت الروح تقودنا إلى المزيد من التقدم والرقي.
ها هوَ العيدُ عادَ مِلْءَ الزَّمانِ
بالأَمانيِّ، أيْنَ مِنْكَ الأَماني
عادَ، فالرَّوْضُ لا العَنادِلُ فيهِ
صادِحاتٌ، وَلا شَذا الأُقْحُوانِ
عادَ بالذِّكْرَياتِ من كُلِّ لَوْنٍ
باهِتاتٍ على شِفاهِ الزَّمانِ
عادَ يَتْلو نَدْبَ المَآتِمِ شِعْراً
بِقَوافٍ لَيْسَتْ بِذاتِ مَعانِ
أيُّهَا العِيْدُ ما وَراءَكَ ــ قُلْ لي ــ
مِنْ جَديدٍ، كَيْما أزُف التَّهاني؟
لِحَبِيْبٍ، لِصاحِبٍ، لِمُوِدٍ،
لِصَديقٍ، إلى الوِئامِ دَعاني.؟
إن تَكُنْ قَدْ خَبِرْتَ يَوماً سُروري
ألَقَ الرّاحِ مِنْ عُيونِ الحِسانِ
وَغَرامي عَهِدْتُهُ وَصْلَ لَيْلى
والرّعابِيبِ مِنْ حِسانِ الغَواني
ذاكَ عَهْدٌ يا عِيْدُ وَلَّى بَعِيداً
بِلَيالي الهَوى، وَغَيِّ الدِّنانِ..!
أنا ما عُدْتُ بالهَوى أتَزَيَّا
مِثْلَما كُنْتُ في الخَوالي تَراني
فَفُؤادي ومُهْجَتي بَرَّحا بي
بَعْدَ أنْ جُرِّعا سُمُومَ الهَوانِ
عَقَّدَ الضَّعْفُ أيُّهَا العِيْدُ نَفْسي
وَتَبَدّى عَقِيدَةً لِكِيَاني
فَأُهَيْلُ النَّقَا تَبَرَّأَ منْهُمْ
فارِسُ الكَرِّ في الحُروب العَوانِ
فَأُهِيْنوا، وعَذِّبوا، واسْتُبْيحوا،
ثُمَّ بِيْعوا بِأَبْخَسِ الأَثْمانِ
فَإذا ما بَكَوا تَباكَى زَنِيْمٌ
بِبَيانٍ مُنَمَّقٍ رُوْحاني
بِعِباراتِ سَلْوةٍ وتَمَنٍّ
واحْتِجاجٍ ضَعِيفِ قَدْرٍ وَشانِ
وَهَوى المُغْرِضِينَ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ
في سَماءِ العُرْبانِ كالبُرْكانِ
حَيْثُ سَنَّ القَبُولَ بالغَدْرِ حقّاً
وَأَباحَ الإِذْعانَ عِزَّ الجبانِ
فَمَضَى الجَهْلُ بالمُلَبِّينَ يدعو
وَدَلِيلاً، إلى ذُرَى الإِيْمانِ
فَتَلاها بِمِلءِ شِدْقَيْهِ: ثُوْرُوا
فاسِدُ العَقْلِ، بَيْنَ عِيٍّ وجاني
حيثُ شادوا لَهُ مِنَ الوَهْمِ عَرْشاً
أُسْوَةً بالإِله في الأَكْوانِ
صَدَّقَ الكِذْبَةَ الجَهُولُ، فَنادَى
بِنزِالٍ بِلا قَنَاً وَسِنانِ!!..؟
فَإذَا الغَدْرُ بالأَكاذِيبِ يَنْفي
حقَّ أهلي، وَقَدْ قَضى بامتِهاني
وَيُقَاضى الإسْلامَ، مُجْرِمَ حَرْبٍ
نرجسياً وداءَ وهمٍ يُعاني؟
أَيُّهَا العِيْدُ عُدْ قَدِيْماً لِنُطْفي
بكَ غِلاً، وَلو زُهاءَ ثَوانِ
عُدْ كَريما كَمَا ألفناكَ يوماً
عُدْ أبِياً، قُبَيْلَ فَوْاتِ الأَوانِ
عُدْ جَواداً، صَهِيْلُهُ بِشُموخٍ
وَقْعُ عِزٍّ بُمَسْمَعِ الفُرْسانِ
يَنْشُدُ العِزَّةَ الأَشَمَّ سَناماً
يَتَحدَّى الخُطوبَ رسمَ رِهانِ..
بِعَظِيمٍ كَزايِدٍ في البَرايا
باعِثِ النّورِ، ماسِحِ الأحْزانِ
أرْيحِيٍّ يَهْتَزُّ لِلْفَضْلِ والجُودِ
اهتِزَازَ القَنا بِساحِ الطِّعانِ
قدْ شَرُُفْنَا بهِ إِماماً حَصِيفاً
وَزَعِيماً، بِمَبْدأٍ إنْساني
فهوَ في الرِّفْقِ كالنَّسيمِ وإلاَّ
فَهوَ في العزمِ كامِلُ العُنْفُوانِ
والقِياداتُ هذه مِنْ لَهيبٍ
حَيْثُ كانتْ، وهذِهِ مِنْ دُخانِ
والمَجَرَّاتُ مِنْ نُجومٍ وَشُهْبٍ
كُلُّها لا تُقاسُ بالزِّبْرِقانِ
٭ ٭ ٭
هكذا زايدٌ، وَقَدْ حَلَّ دُنْيا
فَتَوَلَّى صِعابَها بِعِنانِ..
فتداعتْ جَدَاولاً ونَخِيلاً
بِفُتُونٍ قَدْ وُشِّيَتْ وافْتِتانِ
تَتَباهى في وَجْهِ عَصْرٍ تَباهى
بالعَظِيمِ العَظِيمِ، مِ العُمْرانِ
إنَّ قَوْماً هُدوا بِزايدَ قَومٌ
لَهُمُ السَّبْقُ في المدى والزمانِ
فاطْمَئِنّي يا أُمَّةَ العُرْبِ نَفْساً
رُبَّ داءٍ فيهِ شِفاءُ الجَنانِ
وَلْيَدُمْ قائِدُ المَسيرَةِ حِصْناً
لِبَنِيْهِ مُحَصّناً بالأَمانِ