قال أبي وبين يديه كتاب يقرأ فيه:

ــ ستصير كاتباً، ذَنبك على جَنْبك.. ستجوع يا بني!

كنت جائعاً جداً.. إلى المعرفة والحب والحرية، هكذا .. فهمت الجوع آنذاك.

التقط أبي التماع عينيّ بالأسئلة، طوى كتابه، مال نحوي:

ــ إلاّ إذا.. صرتَ شاعر بلاطٍ حتى تصير بلاطاً تحت أقدام الحكام؛ بوقاً.. بين البَوَّاقين، دُرْبَكَّة في »التخت الشرقي« لولاة الأمور، طبلاً..

لحزب حتى لو كان حزب فقراء الناس، دَبِّيكاً.. مع الدبِّيكة، ببغاءً.. لأيّ نظام، شبِّيحاً.. في نقابات الشبِّيحة، عضواً في اتحاد المهرجين، أو حين تُهدي كتبك لمن.. لا تحبّ ويمقته الناس.

ثم عاد أبي.. إلى كتابه!

ما زلت أحتفظ بكتاب من كتب »الثالث الابتدائي« التي أصدرتها وزارة المعارف السورية عام 1930، وهو آخر الكتب المدرسية التي حصل عليها والدي، منذ ترك مدرسته بعد موت جدي لينهض بأعباء العائلة منخرطاً في قراءة »كتاب الحياة«.

فإذا عاد من العمل المضني لابن الثامنة عاد إلى كتبه المدرسية، وربما .. إلى طفولته التي تمّ اختطافها، ثم بدأ يستعير كتباً من مكتبات أساتذته الذين صاروا فيما بعد .. أصدقاءه.

وكان لا يحب من الشعراء سوى: أبي العلاء المعري، والجاحظ.. من الكتاب، ومن أمهات الكتب »نهج البلاغة« و»طبائع الاستبداد«.أعطيت كتاب »الثالث الابتدائي« لابني فرات، ثم فتحت نوافذ البيت جميعها، وصرخت في الهواء اللزج:

ــ ما زلت جائعاً يا أبي.. جائعاً جداً للمعرفة والحب والحرية!راح فرات يُقلِّب أوراق كتاب جدِّه المدرسي وهو يرمقني بطرف عينيه.. لو أن هذا الجوع ينتقل بالعدوى، مثل.. الإيدز وإنفلونزا الطيور والحروب الاستباقية.

لو أن الجوع للمعرفة والحب والحرية.. سرطان ينهش جسد هذه الأمة.. السليم، المُعافى، المُفعَم: مناعة وحيوية!!

نجم الدين سمان