ولأنه مصطفى الحلاج يجب ألا تمر ذكرى وفاته مرور الكرام، ولأنه واحد من أهم وجوه التجارب التشكيلية العربية التي حملت هم وآلام الإنسان العربي الذي كانت ولاتزال تطارده لعنة القهر، والخوف.
ولأنه ترك كل دمشق التي اختارها وطناً على شكل منفى، وحيدة تفتقد لأحد شخصياتها المميزة، متأملاً في نهارها، أو مترنحاً في ليلها، أو مراقباً لوجوه الناس في الرواق الذي كان له فيه طاولته المحجوزة، إن أتى وإن لم يأت.
الحلاج أيقونة من الحفر العربي، الذي وضعت النار حداً لمسيرته الطويلة مع الفن والحياة والترحال الذي التهم سنوات طويلة من عمره منذ ان ترك قريته الصغيرة »سلمه« في مدينة يافا الفلسطينية مجبراً.
وظل يحلم بالعودة إليها، وظلت تلك الرموز الكنعانية التي لم تفارق أعماله كناية عن التمسك بهذا الحلم الذي كان مكتوباً عليه ألا يتحقق منذ ولادته، لتبدأ الرحلة الطويلة بدءاً من مصر التي درس فيها وأقام أول معرض فردي له عام 1964، ثم تونس، وبيروت وأخيراً دمشق التي استقر فيها منذ عام 1982، ليصير معلماً من معالمها، إن زرت دمشق ولم تر الحلاج فإنك لم تفعل شيئاً.
لم يتوقف مصطفى الحلاج عن العمل حتى اللحظة الأخيرة من حياته، كان يبحث ويفتش، ويراهن على أن هذا السواد الذي نعيشه ليس إلا حالة مؤقتة، لأنه لم يكن يقيس حركة الحياة بعمره الخاص، بل كان يرى بعين الجماعة.
ومن هنا كانت أعماله تتجاوز دائماً الهم الخاص لصالح الإنسان، بكل تجلياته، ورموزه، وأحلامه، وذاكرته، منذ ما قبل تدوين التاريخ مروراً بكل الحضارات التي عرفتها جغرافية المنطقة، وصولاً إلى هذه اللحظة الملتبسة الغامضة التي أنتج فيها الحلاج الكثير من التجارب التي تتحدى هذا الغموض المثير.
وقد قال الحلاج في حوار أجريته معه ونشر في البيان 1999 »أنا الغموض الذي استوضحه على بياض اللوحة، أنا لا أرسم الوضوح لأنه غير محفّز، إنه الرغبة في التجاوز، وأنا أشبه بالكرة التي أقذفها في الضباب، فأجري نحوها لا لكي أراها.
وإنما لأقذفها مرة أخرى، إلى أن لا أستطيع أن أقذفها، أنا الخارج من الغموض دائماً والوضوح ورائي، أنا أحفر دائماً في الغموض وأرميه، ورائي الوضوح«.
سعى مصطفى الحلاج في السنوات الأخيرة من حياته التي عاشها في صالة ناجي العلي للفنون التي جعلها مسكناً لا يتجاوز حجم سريره، يخط أسطورته الخاصة بعد أن جال في أساطير المنطقة، حاول يوثّق أسطورة حلاجية معاصرة عبر لوحته العملاقة التي وصل طولها إلى مئة وستين متراً، وعرض نصف متر، ومنحها عنوان »ارتجالات الحياة«، لكن استكمالها بصورة نهائية لم يتحقق.
لأن أسطورة موته كانت أسبق، فكانت النار تنتظر وتحيط به لتأخذه معها، تاركاً وسط لوحته العملاقة تلك السفينة التي وضع فيها كل مكونات الحياة الإنسانية، لكنه لم يصعد عليها ليقود رحلة الخلاص الجديدة التي كان يريد إعادة تمثيلها.
يربط فيما بينها بخيوط الواقع والمتخيل، ما بين الكهولة والطفولة، أجيالاً سابحة في فضاء الوجود، وأقاصيص اللهو والعبث الطفولي، والحساب والعقاب.
وتقديم القرابين والضحايا للآلهة المتموضعة والقابعة في كراسيها العالية تجسيداً لقدرية المصير ما بين تناقضين (الحياة ـــ الموت). وليشكل توليفة الكتلة التعبيرية في مجملها قصصاً من التاريخ وما الديك والقمر إلا دلالة .
واضحة على صرخة الحلاج المدوية لإيقاظ الناس النيام والغافلين عن استيعاب اللحظات التاريخية الفاصلة، وضرورة التأمل البصري والذهني في دينامية الحياة وموروثها الحضاري ومشكلة الصراع الدائرة ما بين تناقضين الخير والشر .
وما بينهما. في كل الأحوال بدأ الفنان مصطفى الحلاج من خلال لوحته »ارتجالات الحياة« مقولته الحلم في إنجاز مشروعه كخطوة أساسية في متابعة بقية الخطا مرتبطة بأنفاس الذات المبدعة والمرتبطة بالآخر ثقافة عربية شاملة لجماليات المكان والإنسان وجموحه التعبيري لواقعية المواقف المشهدية.
يحق للحلاج أن يبقى في الذاكرة، يتجول فيها، كما كان يتجول في شوارع دمشق، »الأحياء هم مقبرة الأموات، لأن الأرض تبتلع الجسد، الأحياء يحملون موتاهم على ظهورهم ويمشون نحو موتهم الخاص«.
حازم سليمان