حين التقينا بربيع مروة، جالسا على كرسي في مدخل »مسرح المدينة«، قال لنا انه على الأرجح لن يعيد عرض مسرحيته الجديدة »من يخاف التمثيل«.

كان قد مر يوم أو يومان على عرضها الأول، الذي جرى ضمن فعاليات مهرجان »أشكال ألوان، أعمال داخلية 3«. كان ربيع مروة فاقدا الأمل، حين التقيناه ونحن خارجون من مسرح المدينة، حيث كانت تقام ندوة ، وقال إن الأمن العام لن يسمح له بعرضها مرة أخرى.

كثر الكلام على المسرحية، وعلى الرقابة. وكثرت المحادثات بين الأمن العام ولجنة المهرجان، حتى توصل الطرفان إلى حل . وهكذا، أعيد عرض المسرحية مرتين، ولكن بعد أن وافق المخرج على حذف بعض السطور من نصها. وكان العرض الأخير في آخر أيام مهرجان »اشكال الوان«، يوم الخميس الماضي.

كانت القاعة ممتلئة بالناس. شباب بمعظمهم، جاؤوا ليشاهدوا المسرحية التي سمعوا عنها الكثير، فيما بعضهم جاء ليشاهدها للمرة الثانية.ديكور المسرحية البسيط، يحول كل تركيز المشاهد إلى الممثلين و النص. شاشة ضخمة في وسط المسرح، وطاولة على يمينه.

ربيع مرة يجلس على الكرسي الذي أمام الطاولة، فيما تتنقل الممثلة لينا صانع بين الطاولة والشاشة التي، حين تقف وراءها، تبدو كأنها صورة تعرض عليها.

الشاشة هي بعد المسرح الآخر. هي مسرح داخل المسرح، وهي فيلم داخل المسرحية.

نص المسرحية مترجم بكامله، وتبدو كلمات الترجمة الانجليزية على الشاشة، في أعلاها.

الشخصية التي تؤديها لينا صانع هي، في الوقت نفسه، شخصية واحدة وعدة شخصيات. تقف قرب طاولة ربيع مروة، وتفتح الكتاب الكبير، و تسمي فنانا اجنبيا ورقم صفحة.

رقم الصفحة هو الوقت، بالثواني، الذي سوف تمضيه خلف الشاشة، وفيها بالنسبة للجمهور. اسم الفنان الأجنبي ليس إلا عنوانا كاذبا للشخصية التي ستؤديها خلف الشاشة.

تقف هناك، حيث لا نعود، نحن المشاهدين، نراها، وحيث تتحول إلى صورة مغبشة، وتروي بصوت اوتوماتيكي قصة عمل فني.

شخصية واحدة، خلف الشاشة وعليها، بالرغم من الاسم الذي يتغير، والتواريخ المختلفة، والبلاد، والقصص. شخصية لينا صانع تروي قصة رجل، قصة فنان، قصة الحرب.

رجل يعذب نفسه، يتعذب، يموت. تروي لينا صانع من خلف شاشتها قصة الجسد، الذي ينزف دماء، والذي يخرج أوساخا، ودمعا. أعمال صانع الفنية اقرب إلى خيالات مريض نفسي يتألم، ويحلم بالانتحار. مريض يتحدى جسده، ويتحدى الناس به.

تقف لينا خلف شاشتها، وخلف أسماء شخصياتها، وتروي قصص الألم الجسدي بصوت مرح وقوي. تروي قصة الموت بكلمات الحياة. تروي قصة الحرب، بكلمات الجسد، وقصة الأعداء بالمفرد.

كأن جسدها هو الوطن. وكأنها هي، الحرب الأهلية. تتحدث عن أذية نفسها، وتروي تعذيبها لجسدها بالتفصيل، وبدم بارد، وبدم احمر. كأنها هي العدو وهي المعتدى عليه. هي الوطن، وهي عدوه. هكذا، بجسدها، تروي لينا صانع قصة الحرب الأهلية، مختبئة خلف الفن، وقوية فيه.

ثم تعود من خلف الشاشة إلى المسرح، لتصبح شخصا عاديا، حقيقيا، يبحث في كتاب الفن الكبير عن شخصية أخرى، ليقول باسمها قصته.

وتجد صانع أحيانا، في كتابها الذي تفتحه كأنه الصدفة، أو الحظ، بدل الاسم والرقم صورة. تعود خلف الشاشة، لتختفي هناك هذه المرة، ولتبرز الصورة الموجودة في الكتاب عليها كلها.

تتحول الشاشة إلى صورة جامدة، فيقوم ربيع مروة عن كرسيه، ليقف في وسط المسرح، والشاشة خلفه، ويصبح شخصية حسن مأمون (احمد منصور)، الرجل الذي اعدم بعد ان قتل ثمانية من زملائه في مقر عمله.

يروي قصة رجل ذهبت به الحياة إلى القتل ثم إلى الموت. قصة لبنانية حقيقية، قصة رجل ضاع بين مشاكل حياتية صغيرة، ومشاكل نفسية كبيرة. رجل قتله الديّن أو المرض النفسي، أو العنصرية، أو الحرب اللبنانية، أو الاسرائيليون، أو قتلوه كل هؤلاء.

في قصة حسن مأمون (احمد منصور)، قصة لبنان ما بعد الحرب، ولكن قصة الحرب ايضا. تتداخل حياته الشخصية، الضيقة، بقصة الشعب، وقصة الوطن. دين ببضعة ملايين من الليرات اللبنانية، وطائفية مكبوتة، ومشاهد من الحرب ومن الموت...

حسن مأمون (احمد منصور) قتل زملاءه، و قتل نفسه، ومات.الرقابة التي ساعدت المسرحية على انتشارها بين الناس، أجبرت المخرج على تغيير نصها. وجد الأمن العام في المسرحية الكثير من الكلمات البذيئة، وطلب ان يحذف بعضها.

في المسرحية، كما عرضت في يوم المهرجان الأخير، تمر أيضا قصة الرقابة. الرقابة التي لم تحذف من المسرحية إلا ما لا تستطيع حذفه من الشارع، والتي، في النهاية، لم تستطع ان تقتل المسرحية، ولا نصها، ولا أفكار كاتبها ومخرجها.

عرضت المسرحية التي كادت ان توقف ، وبدت، اقل خطرا مما خلنا، حين هددتها الرقابة بالمنع.

مسرحية »من يخاف التمثيل«، من إخراج ربيع مروة، تمثيل ربيع مروة ولينا صانع، سينوغرافيا: سمر معكرون، إنتاج »أشكال ألوان« بدعم من شركات المانية وفرنسية.