من بين اللحظات المؤثرة في تاريخ الموسيقا العربية اكتشاف زرياب للوتر الخامس واضافته الى آلة العود قبل أكثر من 500 سنة، وهو ما اكسب فضاء التلحين العربي بعدا إضافيا وقدرة على مد النغم على مساحة اكبر لاظهار صوت المغني والأبعاد الجمالية التي يتمتع بها كل مطرب..
واضافة الى ذلك قام زرياب بإنشاء المدارس والمعاهد في الأندلس لتدريس الموسيقا باسلوب احترافي عال جداً قد يتفوق على الأساليب المتبعة اليوم في بعض معاهد الموسيقا العربية.
ومنذ تلك الأيام وحتى وقتنا الحاضر، لا تزال الموسيقا العربية أسيرة اللحن الواحد.. وهي لا تتحقق ولا تنتشر إلا بمصاحبة الغناء..
أي اننا بعيدون عن إنتاج الموسيقا الخالصة التي تطلق العنان لخيال الموسيقار لكي يستنطق الموسيقا ويوصل جمالياتها الى أذن المتلقي..وأعلى ما وصلنا إليه في هذا المجال هو مقدمات بعض أغاني أم كلثوم وعبدالوهاب.
ولا يزال الجمهور العربي العام لا يتقبل سماع الموسيقا الخالصة العربية أو تلك الخاصة بالشعوب الأخرى..وأتذكر انه في إحدى الحفلات في الثمانينات أراد الفنان مارسيل خليفة ان يقدم للجمهور فقرة موسيقية من تأليفه بعد ان غنى لهم مجموعة من أغانيه..
ولكن ما ان بدأ بالعزف مع الفرقة حتى قام جزء كبير من الجمهور عن كراسيهم لأنهم ظنوا انها فترة استراحة! فيما نفترض ان جمهور مارسيل هو من المثقفين.. كما ان مارسيل عندما ذهب الى تأليف الموسيقا الخالصة الخالية من الغناء فقد جمهوره وما عاد يحضر حفلاته الا النخبة.
هذا التخلف الكبير في الذائقة العربية تجاه الموسيقا الخالصة نابع من فقر في الثقافة الموسيقية..واذا كان العامة يعرفون معنى الوتر الخامس وكيف اضافه زرياب، فان القلة فقط يدركون ان آلة العود قادرة على استيعاب.
وتر سادس وسابع أيضا، وسبق للفيلسوف الفارابي ان شرح هذه الأفكار في كتابه العملاق(كتاب الموسيقا الكبير)، وبإضافة الوتر السابع يمكن الانتقال من التلحين الى التأليف الموسيقي ..
وهناك مؤلفون عرب كتبوا عن فلسفة الموسيقا والتداخل النغمي والتأليف والآلات وغيرها لكنها ظلت مجرد أفكار في الكتب قابلة للإحياء.. والمثل الأكبر على قابليتها للإحياء هو عازف العود العراقي نصير شما الذي تبنى فلسفة الفارابي .
وقام بصناعة آلة عود من سبعة أوتار وبدأ يستغل المساحات الشاسعة للآلة في تأليف مقطوعات مميزة جدا، وإحدى ميزات موسيقا نصير شما أنها تعزف على آلة العود.
بالإضافة الى ثقافة العزف والتلحين والغناء، نحتاج عربيا الى نشر ثقافة السماع..سماع الموسيقا الخالصة عبر تدريب الأذن منذ الصغر في المدارس على فهم معاني الحركات الموسيقية والتداخل النغمي والمقامات وغيرها عبر حصص وواجبات تدخل في صميم المنهج التعليمي وعدم الاكتفاء بالنظر الى دروس الموسيقا المدرسية بانها مجرد وقت للتسلية.
akhozam@yahoo.com