يبدو أن ما فعله الإمام محمد عبده 1849 ـــ 1905 كان سابقة لم ولن يُقدم على فعلها أحد من رجالات الدين الإسلامي؛ في قيامه بإعمال العقل في النص الديني باعتباره الدعامة الحقيقية لأي إصلاح ديني.

ويبدو أيضاً أن هذا هو ما دفع المعهد الفرنسي للشرق الأدنى ـــ قسم الدراسات العربية في كل من بيروت ودمشق وحلب لإقامة ندوة دولية حملت عنواناً إشكالياً (حداثات إسلامية) بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لرحيل الإمام محمد عبده يومي 9 و10 نوفمبر 2005 في (دار حماض) بمدينة حلب القديمة.

ندوة أثارت كثيراً من الاسئلة حول العقل وكيف يمكن أن يمارس دوره في عملية الإصلاح الديني؛ خاصة وأنه عقل لاتزال تُمارس عليه سطوة التوحيد الغزالي والأشعري؛ ومن لبس لبوسهما اللاهوتي في قراءة النص الديني وتفسيره.

شارك في الندوة مفكرون وباحثون مثّلوا أكثر من طيف فكري فكان ماركسياً وليبرالياً أو إسلامياً مثل الشيخ علاء الدين زعتري مدير الإفتاء في سوريا، وبييرجان لويزار من المركز الوطني للأبحاث العلمية في باريس.

والدكتور أحمد برقاوي ود. يوسف سلامة من جامعة دمشق، والدكتور عبدالجبار الرفاعي من مركز دراسات فلسفة الدين ـــ بغداد، وأحميدة النيفر من جامعة الزيتونة بتونس، وديا لا حمزة من مركز الشرق الحديث ـــ برلين.

وأحمد محمد سالم من كلية الفنون جامعة طنطا بمصر، ود. نصر حامد أبو زيد من جامعة لايدن ــ هولندا، والدكتو ماهر الشريف من المعهد الفرنسي للشرق الأدنى ــ دمشق، ود. رضوان زيادة من مركز الدراسات الإسلامية ــ دمشق، وعبدالرحمن الحاج باحث من دمشق.

والدكتور عبدالرزاق عيد باحث من حلب، وكريستيان فان نيسين من كلية العلوم الإنسانية والدراسات اللاهوتيه ــ القاهرة، وعبده فيلالي ـــ الأنصاري من معهد الدراسات حول حضارات المسلمين ـــ لندن.

والذي قرأت ورقة عمله لتعذر قدومه إلى حلب، ورأس الجلسات على التوالي: 1ـــ فلوريال سناغوستان من المعهد الفرنسي للشرق الأدنى ـــ دمشق، 2 ـــ د. مصطفى جطل من جامعة حلب 3ـــ بدوان دوبريه من المعهد الفرنسي للشرق الادنى ـــ دمشق 4ـــ محمد كامل الخطيب من وزارة الثقافة ـــ دمشق، 5ـــ وليد إخلاصي روائي .

ومسرحي من حلب 6ـــ سابرينا مرقان من المعهد الفرنسي للشرق الأدنى ـــ بيروت 7ـــ سلام الكواكبي من المعهد الفرنسي للشرق الأدنى بحلب. الندوة وعلى مدار يومي 9 و10 من الشهر الجاري.

وفي معظم البحوث التي قدمها المنتدون كانت تحكي بشكل مباشر أو غير مباشر عن الدولة الدينية، وكيف يمكن اقامتها مثلما كيف يمكن أن نهدمها.

الشيخ علاء الدين زعتري رأى أن الموسوعية العلمية لدى الامام وتعدد الجوانب الفكرية عنده هي التي هيأت له خصوصية متميزة، وذلك أنه لم يتفرغ لجانب واحد من العلوم أو المعارف، بل اتسعت مداركه ليستوعب بفكره أكثر من اتجاه علمي. بينما الباحث عبدالرحمن الحاج قال:

انه ليس من السهل القول ان اصلاحية عبده التي آلت في تلامذتها إلى التحلل إلى عناصر حداثوية وأخرى سلفية عادت إلى أصلها، بحيث يبدو ذلك كما لو انه عودة المسار إلى أصله، لكن متابعة امتداد خطاب الإصلاحية يكشف عن بقاء روحية الإصلاح الديني متوقدة.

فقد بقي دوماً من يحمل جذوتها (علي ومصطفى عبدالرزاق والمراغي والشلتوت ثم أمين خولي، وهكذا) غير ان الشيء الذي كان يتغير دوماً هو بعض جوانب رؤية العالم في كل مرة، لكنها جوانب لم تؤثر في خط الرؤية العام.

كما أن العدة المعرفية الحداثية البسيطة التي كان تسلح بها عبده في نهاية القرن التاسع عشر جعلت تأويلاته المقاصدية للنص ــ أعني نص التصور الرسمي للإسلام ـــ تبدو لمن بعده هشة للغاية.

الباحث د. احميدة النيفر من جامعة الزيتونة بتونس قرر أن محمد عبده لم يتجاهل الثقافة المرجعية الحافة بالنص المقدس المعروفة بالعلوم النقلية، لكنه يضيف إليها بعض المؤلفات الأوروبية الحديثة.

وكذلك فهو يجاهر بمناهضته للشيوخ الرافضين ومحدودية أفقهم الفكري، لكنه يعتبر أن نهضة المسلمين لا يمكن ان تقوم إلا على أساس »الداخل الثقافي.

أكثر من ذلك نجد له رأياً لافتاً في خصوص تفسير القرآن سجله تلميذه رشيد رضا عندما ألح عليه في القيام بدروس في التفسير بالأزهر. امتنع عبده عن القيام بهذه الدروس مبيناً أن القرآن لا يحتاج إلى تفسير كامل، فله تفاسير كثيرة أُتقن بعضها ما لم يُتقن بعض آخر لكن الحاجة شديدة إلى تفسير بعض الآيات.

ثم يذهب احميده إلى القول ان الإمام محمد عبده كان متبرماً من تلك المدرسة التي يكون المفسِّر فيها متحركاً ضمن الموروث اللغوي والفقهي والعقدي وخاضعاً لمنهج يجعل اللغة والتراث يفكران من خلاله وليس العكس.

الدكتور عبدالجبار الرفاعي بدوره تساءل قائلاً: في مداخلته (محمد عبده ومحمد إقبال: رؤيتان في تحديث الفكر الإسلامي): ما هو مصير رؤية كل من محمد إقبال ومحمد عبده في تحديث الفكر الديني وأين التقى المساران وأين افترقا؟.

. معتبراً ان رؤية اقبال في الفكر الإسلامي المعاصر تجلت عبر آراء الدكتور فضل الرحمن وهو مفكر باكستاني تعرض لهجمة شرسة من الجماعات السلفية، واثر هيمنة تلك الجماعات على الحياة الثقافية اضمحل الخط الفكري لمحمد إقبال ليسهم لاحقاً التفكير الديني في إيران في النصف الثاني من القرن العشرين في إعادة إنتاج المقولات الإسلامية في فكر إقبال وتنميتها وتطويرها.

أما محمد عبده فامتد من خلال تلميذه محمد رشيد رضا الذي عمل على إحياء النزعة السلفية وبعثها من التراث، وحرص على تكريسها عبر مجلته »المنار« وكتاباته المتنوعة.

الباحث عبدالمجيد الشرفي من الجامعة التونسية رأى ان الحداثة لم تضح اختياراً بقدر ما هي واقع، ينخرط فيه البعض عن وعي فيطمحون طموحاً مشروعاً إلى تحسينه وتوجيهه، وينساق إليه الآخرون مرغمين فيبقون في آخر القافلة، لا هم مستفيدون منها ولا هم باقون على أنماطهم الحضارية التقليدية ولذلك فهم..

يجرون وراء السراب حين يطمحون في العودة إلى عصر البساطة والبراءة والسذاجة وتدخل القوى الغيبية لنصرة المؤمنين بالدين الصحيح، كما ينسجه المتخيّل الجمعي، وكما تتداوله وتنشره على نطاق واسع أكثر الأدبيات الإسلامية ذيوعاً، وخصوصاً منها أدبيات الحركات الإسلاموية.

أما أحمد محمد سالم من جامعة طنطا بمصر فإنه حسب رأيه ــ وعلى الرغم من مسايرة محمد عبده للمحافظين الأشعريين في قضية التوحيد لحساسية القضية، فإنه في قضية العدل الإلهي تبنى آراء المعتزلة حول الحرية كمدخل آخر للتوحيد.

وكمدخل للرؤية الاجتماعية من ناحية أخرى، فرأى ان الإنسان حر، ومسؤول عن أفعاله، وسوف يحاسب عليها، وامتد به الأمر إلى القول بأن الحسن والقبح عقليان وليسا شرعيين.

ثم يذهب إلى القول ان محمد عبده أعطى في خطابه العقائدي، الأولوية للعقل على النقل، وذلك واضح في نبذه للتقليد والجمود، وإقراره لدور البرهان في صحة العقائد، وقوله بالتأويل في حالة تعارض العقل مع النقل، بل ذهب محمد عبده إلى تأويل المعجزات الحسية بما يوافق العقل، وذلك خشية اتهام الإسلام بأنه دين اللاعقل والأسطورة.

الباحث د. أحمد برقاوي أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق رأى أن الإمام محمد عبده أعاد الصلة ما بين النص والتاريخ، لأن هناك تآمر للتاريخ على النص، وبذلك أراد أن يكتشف أجوبة جديدة عن أسئلة جديدة، وبعدة ليست أصولية، عدة جديدة هي (العقل) وإذا ما حللنا نص عبده فسنجده يؤكد على مدنية الحكم.

فالإمام يكره الاستبداد، بل كان ضد كل سلطة مستبدة، ضد سلطة العثمانيين لكنهم أقرب إلينا من الإنجليز، وهو ضد سلطة الخديوي الذي هو مصري، لكن بلباس أوروبي. مع هذا فالإمام عبده ليس ضد الغرب بوصفه معياراً للتقدم.

عبده كان يريد أن (يبرجز) الإسلام، يريده أن يكون مبرراً للديمقراطية في الشرق، ولذا يجب رفض الاستبداد بوصفه ضد الديمقراطية والعلم. وبما أن الإسلام ضد الاستبداد ومع العلم، فإن الإسلام مع منطق العصر ــ مع المنطق التاريخي.

الدكتور نصر حامد أبوزيد قال في مداخلته: لقد طرح الإسلام على اعتبار أنه السبب في التخلف والنقيض للحداثة والديمقراطية، فكان لابد من الدفاع عن الإسلام. ثم ذهب في رأيه إلى القول بأن خطاب الإصلاح الديني نظر باحتقار وإدانة للإسلام الشعبي دون حراسة علمية.

وهو ما أدى إلى تجريد الدين من التجربة الدينية. ثم نبه بأن المثقفين يجب أن لا يتحولوا إلى لعبة بيد السلطات إزاء الناس، وعلينا عدم القيام بادعاءات امتلاكنا للحقيقة ورفض الآخر فنصير كمن يرتكب جريمة ضد الجريمة، ثم نزعم بأننا ضد الاستبداد.

في ورقته التي قدمها الباحث كريستيان فان نيسين ــ أي عقل لأي حداثة؟ بعض الالتباسات في خطاب محمد عبده ونتائجها يعتبر أن الأفغاني هو الذي جعل محمد عبده يكتشف قيمة العقل فيما الإمام الغزالي أيقظه من الثبات الروحي.

ثم خلص إلى القول بأن معرفة محمد عبده بالثقافة العالمية كانت محدودة جداً رغم انفتاحه الكبير، ورغم أنه أكد أن العالم ــ عالمنا ـــ هو عالم عقلاني.

من جانبه بيرجان لويزار الباحث في المركز الوطني للأبحاث العلمية في باريس رأى أن الإصلاح الديني هو العودة إلى الأصول وتوسيع لصلاحيات استخدام العقل، وأن الإصلاح يستهدف تحدي الحداثة.

الدكتور ماهر الشريف في بحثه الذي عقد فيه مقارنة بين مفهوم الجهاد عند كل من الإمام محمد عبده والدكتور عبدالله عزام 1941 ــ 1989 الذي استشهد في إحدى المعارك مع القوات السوفييتية في أفغانستان فإنه رأى أن محمد عبده لم يترك بحثاً خاصاً عن الجهاد .

وإنما عالج هذا الموضوع بصورة عرضية حين تفسيره بعض آيات من القرآن الكريم أو في بعض من كتاباته، بينما الشيخ عبدالله عزام استقى أفكاره من تعاليم الشيخ ابن تيمية ومن أبوالأعلى المودودي ومن سيد قطب.

وأن هدف الجهاد عنده هو إقامة دين الله في الأرض وتأسيس دولة إسلامية. بينما راح الدكتور عبدالرزاق عيد في دراسته (الشيخ يوسف القرضاوي بين التسامح والتعصب) إلى القول بأن ابن لادن وأبو مصعب الزرقاوي هما من تلامذة القرضاوي ومتولي الشعراوي ورمضان البوطي.

وأن الأشعري هو السادن الأول لسدنة هياكل الوهم هؤلاء، ثم يأتي السادن الأكبر الغزالي فيكفر الناس إلى أن يجيء السادن ابن تيمية فيكتمل الثالوث النصاب، ومعارك هؤلاء السدنة كانت ضد العقل والفكر!!، أما د. يوسف سلامة فقد تساءل في ورقته التي قدمها (الشيخ يوسف القرضاوي ومفهوم الليبرالية):

بأي معنى يفهم المفكر الإسلامي الليبرالية؟ ثم أجاب بأنه لا يمكن لأي مفكر أو سياسي ومهما كان مستبداً إلى أن يزعم بأنه ديمقراطي، فالقرضاوي عندما يزعم أنه يكتشف الليبرالية في منح المرأة الحرية ــ الاختلاط ــ فإنه يشدد على الحياة السياسية والبرلمانية، وهنا نشعر بالرضا عن القرضاوي، إلا أنه لا يستطيع أن يظل ليبراليا حتى نهاية المطاف، إذ لابد وأن يرتد إلى أصوله.

فالقرضاوي لا يوافق أن تكون البرلمانات مصدر التشريع، لأن الأمة في الإسلام هي مصدر التشريع، فالمشرّع الأوحد هو الله، والبشر ليسوا مصدراً للتشريع إلا فيما لا يختلفون فيه مع الله.

حلب ــــ أنور محمد: