شهد سوق انتقالات النجوم حركة غير عادية الصيف الماضي وأبرز رؤساء الأندية الأوروبية الكبرى دفاتر شيكاتهم لمطاردة كبار النجوم البارزين، وكان منهم الاسباني فرناندو توريس أحد مواهب الموسم الماضي الذي لفت موهبته وتألقه أنظار النقاد والمدربين للمستوى الرائع الذي قدمه في صفوف ناديه أتليتكو مدريد.
لكن »النينو« الإعصار القادم من بلاد الفلامنغو فضل البقاء موسماً آخر مع ناديه، ورغم أن المعركة حوله تشهد هدنة مؤقتة حالياً إلا أنها ستعود إلى الساحة مجدداً عند فتح نافذة الانتقالات. فمن يفوز بخدمات فان باستن الجديدة؟
في مستودع قديم تم تحويله إلى استوديو للتصوير الفوتوغرافي في شارع مهجور بأحد الأحياء العمالية جنوب مدريد يتدرب فرناندو توريس على تنفيذ الركلات الحرة مرسلاً قذائف صاروخية تضرب الشبكة في قوة وعنف.
وتوريس مشهور بعشقه الغريزي لإحراز الأهداف ونادراً ما تخطئ كرته الشباك ليدفع بعدها برأسه إلى الوراء في حركة أصبحت علامة مسجلة باسمه.ويشاركه في هذا العشق جماهير أتليتكو مدريد على ملعبه فنسنت كالديرون الذي يبعد حوالي الميل من حلبة سباق السيارات.وتحول توريس إلى رمز في ناديه أتليتكو وهو في الواحدة والعشرين، ولاعب مميز يحمل على عاتقه هموم وآمال الفريق، وكان عند حسن الظن بعد أن طغى بريقه على بقية زملائه الشباب والمخضرمين.
سعيد بمقارنتي بفان باستن وراؤول
ولد توريس في مارس 1984، وبالتالي هو أصغر من أن يعاصر إبداعات الهولندي الطائر ماركو فان باستن ولم يشاهد له أية مباراة إلا بعد أن أهداه ديمتريو البيرتيني لاعب أتليتكو السابق مجموعة من أشرطة الفيديو للنجم الفذ الذي لعب معه فترة في فريق ميلان الإيطالي، والآن أصبح بإمكان توريس ملاحظة أوجه الشبه بينه وفان باستن، وكذلك مقارنته براؤول نجم الكرة الاسبانية الذي يعلق عليه بقوله: »لا تقلقني المقارنة بيني وراؤول، لكن قد تزعجه هو هذه المقارنة وهو الذي يتربع على نجومية اللاعبين الاسبان حالياً«.
ويعتبر توريس الذي ترعرع منذ طفولته عاشقاً لأتليتكو مدريد النجم الأكثر طلباً من أندية أخرى والمدلل الأكبر مع ناديه إلى درجة أن جمهور النادي ألف أغنية باسمه تقول: »لا نستطيع أن نشيح بنظرنا بعيداً عنك«. وتوج الموسم الماضي بإحرازه أفضل هدف من ركلة هوائية رائعة في مرمى ريال بيتيس. وعن روعة الهدف اعترف فيكتور فيرنانديز مدرب الفريق الخصم بقوله: »لاعب عظيم ولا أقول ذلك بسبب هدفه الرائع في مرمى فريقي ريال بيتيس، لكن لمقدرته المذهلة في إحراز الأهداف من أنصاف الفرص«.
عروض بالجملة من أندية مميزة
هذا السجل المميز من لاعب شاب جعل أندية العالم تنتظر فتح نافذة الانتقالات هذا الصيف بفارغ الصبر لتقديم عروضها لشرائه، ويقال إن ميلان الإيطالي سبق له تقديم عرضه من الآن، وخلفه يتربص سير أليكس فيرغسون متحيناً الفرصة ومعه تشلسي وأرسنال.ولم يخيب توريس ظن جميع هؤلاء بعد أن حاز لقب كبير هدافي الدوري الاسباني للموسم الثاني على التوالي. وبالطبع لم يغب عن الصحف الرياضية هذا السجل الحافل فاحتلت صوره وأخباره صفحاتها الأولى رغم أنه ليس لاعباً في صفوف فريق الصفوة ريال مدريد، ومنحته صحيفة »لاماركا« لقب »فتى من الجحيم«.
يقول توريس عن هذا الاهتمام الإعلامي الكبير: »لا أقرأ الصحف حتى عندما تنشر أخباراً طيبة عني، وأفضل الاستماع إلى تعليقات مديري الفني وزملائي بالفريق، ومعروف عن الصحف الاسبانية استخدام صيغة المبالغة في كل ما يخص كرة القدم«.
ومن الطبيعي كذلك أن يحظى توريس الشاب الوسيم بإعجاب قاعدة عريضة من حسناوات اسبانيا، وهو ما حدث عند زيارة فريق أتليتكو مدريد لريال سرقسطة حيث تجمعت نخبة من المراهقات خارج الملعب منشدات أغنية »عيد ميلاد سعيد« لتوريس في عيده الواحد والعشرين الذي يعني أنه ما زال طفلاً رغم أنه يحمل شارة كابتنية الفريق، ولذلك ما زال أصدقاؤه ينادونه باسم »النينو« وتعني »الفتى«وهو لقب يعجبه ويعتز به وعنه يقول: »سيظل أصدقائي ينادونني به حتى عندما أبلغ الثمانين«.
جدّي سبب التحاقي بأتليتكو
كان جد توريس هو الذي بادر باصطحابه وهو في الحادية عشرة إلى نادي أتليتكو مدريد فأحرز 64 هدفاً في دوري الناشئين وهو في الثانية عشرة وتصدر قائمة الهدافين لموسمين متتاليين، بعدها منحته شركة نايك لقب أفضل لاعب في البطولة التي نظمتها وهو في الخامسة عشرة، وعندما حاول فريق الباسيني شراءه في تلك السن المبكرة تمهيداً لبيعه إلى ريال مدريد.
وتتوالى إنجازات النينو المدهش ليحرز البطولة القومية للمراحل السنية تحت 16 سنة ثم لقب هداف البطولة الأوروبية للفئة نفسها.وبحلول الصيف الماضي كان توريس قد بلغ مرحلة من البراعة أهلته لتولي قيادة خط هجوم المنتخب الاسباني في البطولة الأوروبية 2004.ورغم أنه حقق الكثير خلال فترة قصيرة من الزمن، إلا أنه لم يكتف بعد معلقاً: »أعتبرها البداية والمستقبل أمامي للمزيد من التعلم واكتساب الخبرة«.
ومع النجومية تتزايد الضغوط على توريس الذي يتعامل معها بحنكة رغم صغر سنه قائلاً: »صحيح أن الضغوط تتزايد يوماً بعد يوم لكنني محظوظ بمساندة زملائي الدائمة ووقوفهم إلى جانبي وتخفيف الألم عني، والآن تعلمت التعامل مع هذه الظروف بشكل أفضل وذلك بتجاهلها تماماً والتركيز على الاستمتاع باللعبة أكثر.
هذا الأسلوب جعل النينو لا يحرص كثيراً على مشاهدة المباريات في التلفزيون مبرراً: »مشاهدة المباريات في التلفزيون تصيبني بالملل ولا أستطيع متابعة المباراة كاملة رغم أهمية ذلك في تصحيح أخطائي وابتداء من ختام التمرين إلى حين العودة اليوم التالي أحاول عدم التفكير في كرة القدم، وعادة ما أتصفّح مواقع الإنترنت أو قضاء الوقت مع الأصدقاء والعائلة، أو أي شيء بعيداً عن كرة القدم، ومن هواياتي كذلك الذهاب إلى السينما«.
السينما هروب من مأزق النجومية
يعتبر توريس أن السينما وسيلة جيدة للهروب بالنسبة لشاب يندفع بقوة نحو قائمة أشهر نجوم اسبانيا. يقول توريس: »لا أستطيع الاختباء في المنزل طوال الوقت ومتى ما بدأ عرض الفيلم فلدي ساعتان في ظلام دامس أو ساعتان من الهدوء التام«.
ورغم اقتناع توريس أن الشهرة هي أسوأ ما في حياة لاعب الكرة، إلا أنه تعلّم كيفية التعامل معها، بل واستغلالها، وذلك من خلال مظهره الجذاب وتسريحة شعره المميزة، فأصبح موديلاً لعدد من الشركات منها مصانع الجينز الشهيرة وشركة بيبسي كولا، وعن ذلك يقول: »شاركت في فيلم إعلاني مع توتي، راؤول وروبرتو كارلوس، صحيح اننا لم نتلق أجراً مماثلاً، إلا أن لحظات المكاسب العالية قادمة بلاشك.
نشأة متواضعة وموعد مع المجد
نشأ توريس في حي متواضع للعمال في منطقة فين لا برادا، وعنها يقول: عندما كنت في السابعة كان جميع تلاميذ المدرسة من مشجعي ريال مدريد، وقصدت ارتداء شعار أتليتكو مدريد لمجرد إزعاجهم وإن كنت أتضايق أكثر منهم في نهاية كل أسبوع عندما يخسر أتليتكو إحدى مباريات الدوري. وتحوّل ريال مدريد إلى الفريق الأعظم في المدينة، بل وإسبانيا وأوروبا، بينما أتليتكو هو فريق العمال الفقراء الذي يلهث للحاق بريال مدريد.
والحقيقة أن مشجعي أتليتكو يحتفلون بالفوز بشغف يفوق ما يمارسه جمهور ريال مدريد. وتشجيع أتليتكو يجعلك تعاني كثيراً لكنك تكون أقوى بكثير من الآخرين والنادي ينحاز أكثر لجماهيره والمدينة، أما ريال مدريد فهو ملك العالم أجمع وعشاق أتليتكو سجناء مشاعرهم الحارة تجاه النادي ويمثل كل ما هو نبيل بالنسبة لهم.
هذا الوصف يثبته ما حدث عندما هبط أتليتكو إلى الدرجة الثانية، وعندها ازدادت مبيعات التذاكر لتفوق 40 ألف تذكرة للمباراة الواحدة، وهو ما قد لا يحدث مع ريال مدريد حسب ما يعتقده توريس. »ملعب برنابيو أشبه بالمسرح من حيث الهدوء، ومعروف أن انفعال جمهور ريال مدريد لا يتجاوز الصفير للعبة السيئة أو التصفيق للجيدة، أما رد فعل المشجعين على ملعب كالديرون فيختلف لأن أتليتكو نادٍ مميز«.
وحتى لا يكون توريس متعصباً تماماً ضد ريال مدريد يقول عنه: »صحيح أنني أتمنى لهم الفوز في الملاعب الأوروبية، وفوزهم شرف للكرة الإسبانية، وإن كنت لا أشجعهم خلال مشاركاتهم ولا أحزن لخسارتهم كثيراً كما يحدث عندما يلعب أتليتكو مدريد مثلاً، عموماً للفشل طعم أكثر مرارة عند اللاعب مقارنة بالمشجع«.
أحتاج إلى مساندة مهاجم آخر
أعلن توريس أنه في حاجة ماسة إلى وجود مهاجم آخر إلى جانبه، وهي نصيحة لم تعجب مدربه وأعلن عن ذلك علناً، فلم يتردد توريس في الرد عليه بقوله: »المسألة تعتمد على المباراة وعند لقاء فرق مثل فياريال أو ملقة التي تنتهج أداء مفتوحاً أستطيع الأداء منفرداً، أما أمام الفرق التي تعتمد على العمق الدفاعي فمن المهم وجود مهاجم آخر إلى جانبي«.
نجم في الكرة والموسيقى
لم تقتصر هوايات توريس على السينما والفيديو كليب الإعلاني فقط، بل امتدت لتشمل الموسيقى التي يعشقها بجنون، ليس سماعاً ومتابعة فقط بل شارك في فيديو لموسيقى البوب عازفاً مع فرقة »ال كانتو ديل لوكو« وعن ذلك يعلق قائلاً: »تربطني صداقة مع داني مغني الفرقة، وكان السيناريو أن أشارك في مشهد واحد في الفيديو كليب وانتهى الأمر بأن لعبت دوراً أساسياً كعازف جيتار ومغنٍ، المدهش أن الأغنية احتلت المركز الأول لفترة من الزمن. وما أغضبني في الأمر أن قصة الفيلم تدور حول فتاة تقع في غرامي لفترة ثم ترحل مع آخر في نهاية الأغنية«. هذا المظهر الجذاب والحضور المميز إلى جانب الموهبة الكروية الفطرية، هي التي صنعت مجد وشهرة الشاب توريس وعشق الجمهور له.
حان موعد الرحيل
يؤكد توريس أن شائعات رحيله لا تزعجه إطلاقاً، بل يسعده كثيراً اهتمام الأندية الكبرى بشرائه معلقاً: »عندما تتوقف العروض فهذا يعني أن مستواي لا يعجب الخبراء، وإذا لعبت مع أحد الأندية الكبرى لكنت أنافس الآن على البطولات العالمية، أما هنا فلدي أفضل من ذلك وهو عائلتي وأصدقائي وإحساسي بالانتماء، وجميع الكؤوس في العالم لا تعوض ذلك«.
ويواصل توريس الإعلان عن خططه المستقبلية بقوله: »سأبقى مع أتليتكو حتى أصل إلى سن النضج وعندها أرغب في الانضمام إلى أحد الأندية المشهورة«. وعن النادي الذي يرغب في الانتقال إليه يقول توريس: »لن ألعب مع ريال مدريد أبداً، رغم احترامي له كمؤسسة. وإذا رحلت فلن أنضم لفريق إسباني وأفضِّل اللعب في انجلترا حيث تناسب مقدراتي وقد أنتقل إلى ليفربول أو أرسنال للعب إلى جانب صديقي ريس«.وإذا صحّ ما قاله توريس فالكرة الإنجليزية على موعد مع نجم إسباني آخر ينضم إلى بقية الإسبان في إنجلترا أمثال زابي ألونسو، لويس جارسيا وأنطونيو نونيز.
إعداد: محمد سيف النصر



