لم يستطع الكثير من الألمان والنرويجيين، التساؤل عن سر الأعلام النرويجية المصنوعة بألوان العلم الألماني، والمرفوعة على برج متحف برلين الشهير، وعن اللغز الكامن وراء قيام الفنان التشكيلي النرويجي لارش رامبيرغ، بدمغ جواز سفره بالكلمة الألمانية (FREMDGEHEN).

وهي الكلمة التي امتدت على مسافة 15 متراُ فوق سطح مبنى المتحف، وتعني فيما تعنيه »الخيانة«، و»عدم الانتماء«، و»الفضيحة أيضاً«، كما لم يخف زوار المتحف الشهير دهشتهم من »المكتبة الخاصة«، التي عرض عليها رامبيرغ نماذج مكبرة من جواز السفر النرويجي، مدموغة بذات الكلمة، علاوة على شاشتين لسيدة مسنة لا تتوقف عن استرجاع عذاباتها، التي طالما أصرت على طيها، وإرسالها إلى عالم النسيان.

هذه التساؤلات، انتقلت بعد عام إلى عدد من الفنانين الفلسطينيين، المشاركين في ورشة »الفنون المعاصرة« الثانية، والتي تنظمها الجمعية الفلسطينية للفنون المعاصرة، والأكاديمية الوطنية للفنون في أوسلو، في رام الله، بمشاركة عدد من أهم الفنانين العالميين، ومن بينهم رامبيرغ، خاصة بعد أن قدم الفنان النرويجي الشهير نماذج من أهم أعماله.

سر هذا العمل المثير، يعود إلى العام 1945، أي إلى نهايات الحرب العالمية الثانية، فخلال خمس سنوات هي عمر الاحتلال الألماني للنرويج، كان للكثير من النرويجيات حكايات عشق مثيرة مع جنود ألمان.

ما إن وضعت الحرب أوزارها بهزيمة كبيرة لألمانيا النازية وحلفائها، حتى تم اعتقال العاشقات النرويجيات في معسكر لقرابة السنة، كانت القسوة، والاضطهاد، والتنكيل عناوين يومية لهن، حيث أبعدن قسراً لألمانيا.

وتم سلب جميع حقوق المواطنة النرويجية منهن، حتى أن من أنجبن أطفالاً من »الجنود المهزومين«، حرمن من أطفالهن، الذين أرسل بعضهم إلى مصحات عقلية، »خشية أن يكون للنازية أي أثر في جيناتهم«، في حين أرسل آخرون إلى دور للأيتام.

بينما كان نصيب الفريق الثالث أفضل بقليل، بعد أن عرضوا للتبني، شريطة أن تكون العائلات الراغبة بتبنيهم من خارج النرويج، وذلك كي يتخلصوا من »هذا الشر الدائم«.

وعن ذلك يقول رامبيرغ: أردت المقارنة بين زيارتي لألمانيا، والتي حصلت من خلالها على المجد والشهرة والنقود، كوني أشارك باسم النرويج في أهم المعارض العالمية.

وفي ألمانيا الرائدة في مجال الفنون، وبين »الزيارة القسرية« لأكثر من 2000 نرويجية للبلد نفسه قبل ستة عقود، خاصة أنهن طردن من النرويج كما طرد اليهود من أوروبا على يد النازيين.

وصدرت قرارات بمنعهن من العودة إلى بلادهن، دون أي سند قانوني أو محاكمة، ودون أن يرتكبن أية جرائم، فعلاقاتهن بالجنود الألمان عاطفية، وليست سياسية أو أمنية.

ورغم ذلك اتهمن بالخيانة، ووصفن بـ »العاهرات«، وحلق شعرهن، ورسم شعار »النازية« (الصليب المعكوف)، على رؤوسهن، ما دفع بعضهن إلى الانتحار، في حين حوكم »الرجال المتعاونين مع النازي، وبعضهم لم يمكث في السجن أكثر من عامين«.

عمل فني

ويضيف رامبيرغ: كل ما فعلته هو محاولة تسليط الضوء على معاناة أولئك النرويجيات، فلأكثر من ستة أشهر، وأنا أبحث عنهن في برلين، وغيرها من المدن الألمانية.. عثرت أخيراً على عشرة منهن فقط في برلين.

واثنتين وافقتا على الحديث، بعد عناء.. كلهن تزوجن من عشاقهن الألمان، وكلهن عشن مخلصات لأسرهن وأطفالهن، وهن أرامل الآن، ولم يكن يوماً »خائنات«.

ويرى رامبيرغ أنه »نجح في عمله الفني، بتسليط الضوء على معاناتهن، عبر أكثر من بعد: الذاتي، والوطني، والعام، وللتعبير عن حالة الانتماء المختلطة لديهن، ما بين النرويج وألمانيا، طلب من خياطة صناعة أعلام ألمانية.

ومن ثم قصها، وصناعة أعلام نرويجية منها، فكانت أعلام النرويج بألوان العلم الألماني، واستخدمت »النيون الأحمر« لكلمة (FREMDGEHEN) المثبتة فوق سطح مبنى المتحف، لأرمز لتجارة الجنس الرائجة في ألمانيا والدول المجاورة لها، في محاولة للتذكير بالاتهامات الجائرة.

والأوصاف غير الحقيقية بحق العاشقات النرويجيات.. ويقول: المثير في الأمر أن الكلمة التي وقع الاختيار عليها، لها أكثر من معنى بعضها إيجابي كالانفتاح على الآخر، وهذا ينطبق ربما على مشاركتي في المعرض الفني، وأكثرها سلبي، كالخيانة أو الفضيحة.

وهنا كان التساؤل، الذي أجاب العمل الفني عنه بوضوح: هل كن هؤلاء العاشقات خائنات لبلدهن، أم أن ثمة فضيحة إنسانية تجسدت بممارسات السلطات النرويجية في تلك الأيام؟!

ذكريات مؤلمة

وعرض رامبيرغ أمام الفنانين الفلسطينيين في الورشة، المقابلة التي سجلها مع إحدى »العاشقات النرويجيات«، التي رفض التصريح باسمها، في حين أشار إلى أنها تجاوزت الخامسة والثمانين من العمر.

كانت المسنة النرويجية الألمانية، تستعيد شيئاً من ذكريات مؤلمة، كان من الواضح أنها لا ترغب في الحديث عنها، ولذلك ربما كانت تتراجع عن بعض العبارات في وقت لاحق .. هذه السيدة تزوجت من عاشقها الألماني »قسراً«.

بينما كانت في المعسكر في »ليلهامر« بالنرويج، بأوراق غير معترف بها في ألمانيا، بهدف تهجيرها ومثيلاتها، وبالفعل أعدت شاحنات لنقلهن وأزواجهن، حيث خصصت بطانية واحدة لكل ثلاثة أشخاص.

أو ربما »ثلاثة خراف«، وكان الحصول على رغيف من الخبز كالحصول على كنز في تلك الأيام، فقط كانت »العاشقة النرويجية« تخبئ رغيف الخبز الذي بحوزتها لأكثر من يوم، كي لا تفقد ما يقوتها، خاصة بعد أن فقدت كل ما تملك، فقد تم تجريدهن من مجوهراتهن ومصوغاتهن وكل ما يملكن، قبل تهجيرهن.

وما زاد الطين بلة، أن السلطات النرويجية رحلت هذه السيدة وزوجها الألماني، وجميع »حمولة الشاحنة«، إلى شرق ألمانيا، التي كانت تخضع وقتها للسيطرة الروسية، حيث عاشا أكثر من عشر سنوات هناك، دون السماح لهما بالتوجه إلى ألمانيا.. عشر سنوات من الاضطهاد.

يبدو أن أكثر من ستين عاماً من العذابات المتكررة، لسن كافيات لجعل العجوز الثمانينية تنسى النرويج، فهي ترفض تهم الخيانة، بل وتسخر من ذلك، وتتمنى أن يسمح لها بقبر في »بلادها«.

ردود فعل

وحول ردود الفعل الذي تركه هذا العمل في ألمانيا، والنرويج، يقول رامبيرغ، الذي قارن بين حكاية السيدة العجوز، وبين الرواية الرسمية التي تنظر إليها ومثيلاتها كعاهرات، والبحث عن مسافة بينهما يضع نفسه فيها: حظي العمل الفني، وما رافقه من كشف تاريخي بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الألمانية والنرويجية.

وكانت »إيجابية« بمجملها، فرغم عدم صدور أي تعليق رسمي من الجانب النرويجي، بما في ذلك وزارة الخارجية، التي وفرت الدعم الكبير لرامبيرغ كفنان نرويجي عالمي، إلا أن بعض الساسة في البرلمان طالبوا بالصفح عن ما تبقى من هؤلاء النسوة.

لكن الكنيسة النرويجية رفضت حتى السماح بدفنهن بعد وفاتهن تحت التراب النرويجي، في حين ساهم المعرض في التخفيف، ولو قليلاً، من الشعور بالذنب الذي يرافق الألمان، فقد أثبت لهم أنهم ليسوا وحدهم من ارتكب جرائم ضد الإنسانية، عبر النازي.

ويعرف رامبيرغ نفسه على أنه »فنان يعمل على استكشاف القيم الجماعية في أعماله، فهو علاوة على بحثه الدؤوب عن القيم الجمالية، يحقق طويلاً في الأماكن التي يرتادها، بهدف جمع المعلومات الكافية عن السياقات المختلفة للمكان الذي يفكر بعمل فني ما يجسده«.

رام الله ـــ يوسف الشايب: