لم تتأثر، مؤخراً، الثقافة في لبنان كثيراً بسياسته. إذ إننا لا نستطيع أن نقول بأن الحياة الثقافية في البلد تمر بمحنة، كالتي تمر بها الحياة السياسية فيه، منذ مقتل الرئيس رفيق الحريري وحتى اليوم.

لم تؤجل النشاطات الثقافية، ولم تغلق المعارض أبوابها، ولا المسارح ستاراتها. بقيت الحياة الثقافية »ماشية«، اللبنانية منها، وتلك التي تأتي إلى لبنان من خارجه.

يقام معرض هنا، ثم مسرحية هناك، ثم حفلة موسيقية، ثم ندوة ثقافية، برامج كثيرة، ونشاطات تتلاحق، وتتداخل أحيانا، وفنانون لبنانيون، وفنانون أجانب، والجمهور هو نفسه.

جمهور النشاطات الثقافية في لبنان ليس جمهوراً حياً. أي انه لا يتغير، لا يزيد ولا ينقص. فالذين يذهبون ليحضروا حفلة موسيقية في الــ»ميوزك هول« مثلاً، هم أنفسهم الذين يأتون ليشاهدوا مسرحية في مسرح »دوار الشمس« أو »مسرح المدينة«.

الوجوه هي نفسها، التي تشاهد كل اللوحات، والأرجل هي نفسها، التي تقف في قاعات الانتظار كلها، والآذان نفسها تسمع كل الأصوات، وكل الأغاني.بتنا نعرف بعضنا بعضاً، نحن الذين نتردد إلى الصالونات الثقافية.

والمعارض، والمسارح. نتلاقى، في كل مرة، وفي الأماكن المختلفة، كأنها صدفة واحدة تتكرر. إلا أن هذه الصدفة لم تعد تملك طعم الصدف. لم نعد نتفاجأ، حين نلتقي في مجمع »البيال« مثلا، بالوجوه نفسها التي التقينا بها في قصر الأونسكو.

جمهور الثقافة في لبنان معظمه من الشباب. طلاب الجامعات الذين يتعلمون فيها مهنا فنية، كالسينما، أو الفنون التشكيلية، أو الأدب، هؤلاء هم جمهور النشاطات الفنية الأساسيين.

من جيل الكبار، وحدهم مثقفو البلد، من شخصيات ثقافية وفنية، يتواجدون في الأماكن.. المعارض والمسارح. هؤلاء هم أقلية، في جمهور الثقافة، في حين الشباب هم الأكثرية. وهم، في الحالتين، الأشخاص هم هم، الذين يتواجدون في الأماكن التي تشهد الأحداث الثقافية.

لا يتغير جمهور الثقافة حسب النشاطات، أو حسب مكان حدوثها. معظم الذين يتوافدون لحضور المسرحيات والندوات والحفلات الموسيقية، هم الذين يعملون في مجال الفن والثقافة، أو الذين يدرسون هذه الاختصاصات في الجامعات.

كأن الثقافة لم تنتقل إلى العامة، أو كأن الشعب لا يزال بعيدا عنها، رغم تكاثرها في البلد في الآونة الأخيرة، ورغم صغر البلد، وصغر عاصمته. وحدها الحفلات الفنية الضخمة، التي يطغى عليها طابعها التجاري، تلقى نجاحا يتخطى جمهور الثقافة اللبناني الضيق.

مثل حفلة المغني العالمي فيل كولينز، التي جرت مؤخرا في مجمع البيال في بيروت، والتي اجتمع في تنظيمها كل من مهرجان بيت الدين، وبعلبك، وبيبلوس، فهي شهدت حضورا ضخما، من شتى الأجيال اللبنانية، ومن كل المناطق.

هذا النوع من الحضور لا تشهده الحفلات الغنائية كلها. حتى ان بعض هذه الحفلات يكون أحياناً أكثر أهمية، فنيا وثقافيا، من حفلة فيل كولينز أو غيره، ولكن وحده الجمهور الثقافي اللبناني الضيق يأتي لحضورها. كذلك الأمر مثلا بالنسبة للحفلات الشهرية التي تقام أيام الآحاد في الــ»ميوزك هول«، ويأتي إليها فنانون فرنسيون وأوروبيون لليلة واحدة فقط.

هؤلاء الفنانون، الذين لا يملكون شعبية فيل كولينز ذات الطابع التجاري، لا يحضرهم إلا الجمهور الصغير نفسه. كذلك الامر بالنسبة للعروض التشكيلية المتعددة التي تقام في معارض العاصمة.

وكذلك الأمر أيضا بالنسبة للأفلام العربية والأوروبية التي تعرضها الــ»فيديو ــ كليبات« في المراكز الثقافية والجامعات، والتي لا تعرضها صالات السينما العادية.

ربما كان الأمر سيان في كل بلاد العالم. فهناك دائما، الفن الشعبي أو التجاري الذي يلقى نجاحا جماهيريا واسعا، والفن الآخر، الذي يكون أكثر أهمية على المستوى الفني والثقافي غالبا، والذي لا يلقى إلا نجاحاً ضئيلاً، وفرديا.

هناك، في كل بلاد العالم، حشود تشاهد الأفلام الأميركية التجارية، وإفراد قليلون يشاهدون السينما التي بتنا نسميها »مستقلة«، والتي تكون ذات قيمة فنية أرقى.

إلا أن صغر بلدنا، وضيق مساحاته الفنية والجغرافية، يجعل جمهور الثقافة فيه، يبدو بهذه القلة. الوجوه التي تبقى هي نفسها في شتى المعارض والمسارح اللبنانية، هي نسبية إذن.

فكما يسهل التقاؤنا بشخص نعرفه كلما خرجنا إلى الشارع في بيروت، يسهل التقاؤنا بالأشخاص أنفسهم، في كل معرض وكل مسرح.أكثر ما يبدو لبنان صغيرا، في تلك الأماكن التي تحصل فيها النشاطات الثقافية.

هناك، نلتقي بعضنا بعضا في كل مرة، كأننا أسرة واحدة، بعض أفرادها لا يعرفون بعضهم الآخر، ولكننا، لشدة ما نلتقي في الأماكن نفسها، تصبح الابتسامة سهلة، واللقاء، والمعرفة.

الأرجل نفسها تقف في قاعات الانتظار، والعيون نفسها ترى الفن، والناس هم أنفسهم يتكررون، بينما الأعمال الفنية والمعارض والمسرحيات هي التي تتغير.

بيروت ــ فراس زبيب: