مما لا جدال فيه أن الاهتمام بالخط العربي صار يشكل ظاهرة في الوطن العربي عامة، وفي الإمارات خاصة، فإضافة للمعارض المستمرة والدورات والورش والأعمال التشكيلية والزخرفية هنا وهناك، تصدر عن ندوة الثقافة والعلوم في دبي مجلة متخصصة بالحرف العربي وتعنى بالخطاطين والتشكيليين والباحثين في هذا المجال..
ومع كل هذا لا نجد في الساحة الثقافية عبر الندوات واللقاءات، ولا في وسائل الإعلام بكل أشكالها وفروعها محاور للبحث أو أطروحات للنقاش أو أي جدال أو حوار، وكأن المهتمين بالخط متفقون على كل ما يتعلق بهذا الفن الأصيل؟!
لكن الأمر في الواقع عكس ذلك تماماً، ففي الوقت الذي يرى فيه البعض أن الخط العربي لم يبق لنا فيه إلا الاسم، يرى آخرون أن سر جمال هذا الخط وروعته وتميزه يعود إلى محافظته على أصالته وثباته، ومنهم من يصل فيه الأمر إلى الربط بين قدسية القرآن الكريم، وقدسية اللغة العربية..
ليؤكد آخرون أن الحرف العربي ليس حكراً على أحد، حيث نجد المسلمين من غير العرب ينتجون أعمالاً فنية غاية في الإبداع والجمالية، وهناك خطاطون للحرف العربي في الصين واندونيسيا وماليزيا واليابان وأميركا.
وفي أفريقيا كذلك، ينتهجون أساليب تتماهى مع بيئتهم، كما أن من بين الفنانين العرب من نجح في الإضافة للتيار الأصيل »تيار التقليد« تيارات وأساليب جديدة.
بعيداً عن الخلافات حول الحرف والتشكيل واستخدام الحرف في اللوحة أو رسم الحرف كلوحة.. بعيداً عن هذا الموضوع الذي يحتاج أيضاً لنقاشات مستفيضة، لو فرضنا جدلاً أن ثمة فريقين في الساحة الثقافية، فريق يضفي على الحرف قدسية ما.
وبالتالي هو ضد تطوره، فلندعه في صومعته أو قوقعته.. وفريق آخر مع هذا التطور، فهل جماعة الفريق الآخر بينهم قواسم مشتركة حول هذا التطور؟
يتساءل البعض: هل الخط فن أم علم أم فلسفة؟ وفي جميع الحالات الفن والعلم والفلسفة في تطور دائم، بينما الخط العربي الذي يزيد عمره على 14 قرناً لم يتطور من الراقم إلى يومنا هذا؟!
كل ما يحدث هو استنساخ.. الألف تكتب من الرأس إلى البطن إلى القاعدة بست نقاط.. مازالت بست نقاط، ولا أحد يتجرأ على التغيير، من يحاول تطوير الخط العربي يتهم بالانحراف.
وفي الوقت الذي يرى فيه دعاة التطوير أن الخط التركي هو السائد والإيراني استطاع أن يتطور قليلاً، وخاصة في »النستعليق« كونه من الخطوط اللينة التي تحتمل الكثير من تدفق المشاعر بحيوية لا متناهية.
. بينما العربي لم يتطور في بلادنا المنتج الأساسي لهذه الخطوط.. يرى غيرهم من الدعاة أن التجارب الإيرانية بعد موت رائد الخط الإيراني عماد الحسني لم تضف جديداً..
ويزعم طرف آخر أن الحرف بدأ ونشأ في الكوفة، وكل الخطوط دون استثناء اشتقت من كوفي القرن الهجري الأول، وهذه متفق عليها من الأتراك والإيرانيين والعرب، لكن الأتراك أضافوا الهيبة والصرامة والجانب الكلاسيكي، وشيدوا المعاهد والجامعات وأقاموا المسابقات.. والآن هم الذين يمنحون الخطاطين، وحتى العرب منهم الشهادات.. فما قول الأتراك لتطوير الخط بكل هذا؟؟
ازدهر الخط العربي في العصر العباسي ازدهاراً كبيراً، وعند انتقال الخلافة إلى العثمانيين أصبحت اسطنبول مركزاً مهماً من مراكز الحضارة الإسلامية، وازدهرت العناية بالخط العربي الشريف، وصار للخطاطين حظوة عند السلاطين وكبار رجال الدولة فزينوا مساجدهم بالآيات القرآنية المذهبة.
واستعملوا الألوان، وتقدموا بالخط العربي تقدماً كبيراً. ومن أشهر خطاطيهم: الشيخ حمد الله الأماسي، وجلال الدين، والحافظ عثمان، ومحمد عزت وغيرهم كثيرون.. حتى كانت الكارثة التي عزلت الشعب التركي عن تراثه.
وفصلته عن جذوره الإسلامية باستعمال الحرف اللاتيني فهاجر من هاجر من الخطاطين الأتراك، وعمل بعضهم بمدرسة تحسين الخطوط المصرية بالقاهرة فأنجبوا جيلاً جديداً من الخطاطين حملوا اللواء من أمثال: عبد الله الزهدي (تركي).
ومحمد مؤنس زاده، والشيخ عبد العزيز الرفاعي، ومحمد جعفر، ومحمد محفوظ، والحريري، وبدوي، وحسني، وغزلان.. وغيرهم. واليوم الكثير من الاتراك يدعون لتركيا أن تعود إلى الخط العربي.
وكذلك غيرها من بلاد المسلمين كالصومال وبنغلاديش وماليزيا وأندونيسيا ودول أواسط آسيا ونيجيريا وغيرها. كما ندعو إلى أن ترافق ظاهرة الاهتمام بالحرف العربي ندوات وحوارات في المؤسسات الثقافية الخاصة والعامة، وفي وسائل الإعلام بكل فروعها ...
abohamed88@hotmail.co