من المؤكد أن الكتاب لم يعد حاجة ملحة للإنسان فحسب، بل بات مظهراً من مظاهر وجوده الإنساني والحضاري معاً. فوائده أكثر من أن تحصى، فهو الصديق القديم ــ الجديد للإنسان، والرفيق المخلص، يؤنس الوحدة.
وينقذ من الشدة، منه يستفيد الإنسان علماً وأدباً، وبه يبني مستقبله الطيب، وعبره يتعرف على العالم والناس. وفي الكتاب ومن خلاله، تتواصل الأزمنة والأجيال، وتتأرشف السنون، ويعبر الماضي ليعانق الحاضر، والحاضر إلى الآتي.
في الكتاب تتكثف دورة الحياة وإفرازات الحضارة، وخلاصة الفكر الإنساني، وفيه يُوثّق للأحداث الكبيرة والصغيرة. والكتاب نافذة، من خلالها تقرأ الأجيال الماضي، ومنه تطل على الآتي.. بين القراءة الأولى والإطلالة الثانية، يغزل الحاضر إضافاته التي سرعان ما يحتويها الكتاب مودعاً إياها بريد الماضي الذي لا يتأخر ولا يبطئ في السير.
الصغير يعرف الكتاب، والكبير أيضاً، ارتبطت رفقته بالإنسان، ذلك أنه من صنعه، ما يُحزن في هذا الجميل المسافر أبداً بين الراحات والعيون والرفوف، أسراره التي تغيب مفاتيحها عن ناس، وتتواجد لدى آخرين.
وهيهات يستطيع المرء أن يحظى بكل المفاتيح، أن يتقن كل اللغات. وما يُحزن أيضاً أن يعزف عنه نسبة كبيرة من شعبنا، بمن فيهم المتعلم والدارس.. وتقبل عليه الغالبية العظمى في الدول المتطورة.
فالكتاب هو الحاضر الكبير في حياة الناس هذه الدول تراه بين أيديهم وهم في وسائل السفر، أو في الحدائق، أو المكاتب، أو المشاغل، أو المقاهي. تحتضنه الأكف والعيون في كل مكان وزمان، أما عندنا، فغيب ويتوارى لأن غالبيتها يجدون في قراءته مضيعة للوقت والمال!!
هذه القطيعة بين الناس عندنا وبين الكتاب تصل أحياناً إلى حد اللامعقول والاستفزاز، خاصة إذا كانت قائمة بين أستاذ جامعي أو مثقف يملأ الدنيا بضجيجه الفارغ، وإليكم هذه الحادثة التي رواها لي أحد الأصدقاء قائلاً:
»كنت يوماً في مكتبي بالجامعة، عندما دخل زميل لي عليّ ليجدني غارقاً في قراءة كتاب، فما كان منه إلا أن أطلق ضحكة كبيرة وساخرة قائلاً: إلى متى ستبقى تُضيّع وقتك بهذه الأشياء.. أنا منذ حصولي على الشهادة الجامعية الأولى في جمهورية مصر العربية خلال ستينات القرن الماضي، وحتى الآن، لم أقرأ كتاباً، ولا تعمدت شراءه«.
هذا الأمر تأكدت من صحته بنفسي، عندما قمت بزيارة هذا الأستاذ الجامعي في بيته، لأجده خالياً من أية مكتبة، وتالياً من أي كتاب.. فتصوروا كيف يمكن لهذا الأستاذ الجامعي العتيد، تطوير نفسه، ومن ثم نقل المعرفة إلى طلبته، وهو على هذه الحال من القطيعة المحكمة بينه وبين الكتاب؟!