يجري حالياً التحضير لمعرض »رؤى فنية« الذي تقيمه جماعة الفن الخاص كل عام في مبنى الجماعة، وسيحتوي المعرض هذا العام على أعمال جديدة وقديمة تؤرخ للمراحل التي مر فيها الطلبة منذ بداياتهم حتى يومنا هذا، إضافة إلى صورهم وسيرهم الذاتية.
وأوضحت كوثر صبري المشرف العام على جماعة الإمارات للفن الخاص أن المعرض بمثابة تكريم وتشجيع للطلبة، ورصد لتطورهم والمستجدات التي طرأت على أعمالهم وحياتهم، فثمة طلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة حازوا شهادات في هندسة الديكور، وشهادات من كليات الفنون.. وثمة طلبة نالوا الثانوية العامة ويعملون حالياً في وظائف هنا وهناك، وكلهم ما زالوا يتواجدون بيننا ويتابعون نشاطهم مع الجماعة.
وأشارت صبري إلى أن الجماعة التي كانت تضم في بداياتها سبعة طلاب تضم الآن ما يزيد على أربعين طالباً، أنشئت بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، حرصاً من سموه على توفير حياة كريمة لذوي الاحتياجات الخاصة، وتم تدشين مركز الجماعة في 1/11/1995، وهو تابع حالياً لمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية،
ويلقى دعماً متواصلاً من دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، وتسعى الجماعة إلى تنمية الذوق الفني ونشر الثقافة والوعي الاجتماعي، وتمكين ذوي الاحتياجات الخاصة من التعبير عن أنفسهم من خلال الفنون والمشاركة في الحياة اليومية وتوفير تكافؤ الفرص بين المعاقين وغيرهم في ممارسة الأنشطة الفنية وإقامة المعارض.
وعن الفروقات في التعامل والإبداع بين ذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم من الطلبة قالت صبري التي تعمل كمتطوعة منذ تأسيس المركز انه ليس هناك فروقات كبيرة وأحياناً كثيرة يكون التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة أسهم من غيرهم، لأنهم جاؤوا إلى الجماعة بهدف التعلم والتمايز وليس التسلية وتضييع الوقت،
وقد مرت على الجمعية تجارب متنوعة تجاوزت حالات الإعاقات الخاصة، فثمة حالات نفسية وجد أصحابها في هذا المكان الهادئ المزود بالراحة الطبيعية متنفساً أو نافذة يطلون منها على العالم الخارجي من عالمهم أو حالاتهم المكتئبة أو الفصامية وهناك حالات تم فيها التنسيق مع الأهل والأطباء واستطاع هذا التعاون أن يسهم في شفائها.
وانطلاقاً من مقولة الفن وسيلة للعلاج تحدثت صبري عن تجربتها مع ذوي الاحتياجات الخاصة، مشيرة إلى أن الصم أكثر أصحاب الإعاقات تميزاً وتطوراً في تعلم الفن، لأن الصم لا ينقصهم إلا الكلام، والفن كوسيلة للتعبير يتناغم ولغة الإشارة، وبشكل عام القيام بالفعل أمام الأطفال المعاقين وغيرهم، يختلف تماماً عن تقديم المواد الجاهزة لهم،
فحين نأتي للطفل برسومات جاهزة »بطة مثلاً« كي يلونها لا يتوفر عنده ذاك الحماس، وتلك المتابعة حين نرسم أمامه البطة، لأنه يتابع الخطوط والحركات ومن ثم يشاركنا المفاجأة، وكأنه شريك في صناعة الحدث، مما يدفعه إلى إكمال التلوين بحماس وحرص، بل يسعى للتقليد والرسم أيضاً.
لكن هناك حالات ـــ كما تضيف صبري ـــ تكون خارج هذه الأساليب التعليمية، فأصحاب »المنغوليا« مثلاً، من الصعوبة تعليمهم الرسم أو التلوين بالسرعة ذاتها أو بالوقت ذاته اللذين يحتاجهما غيرهم، لأن حالة المنغوليا في الأساس فيها تخلُّف عقلي وبطء في الاستجابة والإدراك، لذلك قد يستمر سنوات عدة كي يتعلم »الخربشة« مثلاً.
أما حالات الشلل الدماغي التي تمتلك صعوبة في التكلم وصعوبة في الفهم، استطعنا في الجامعة أن نتفاهم معهم عن طريق الكتابة، وهناك حالات متطورة بين الجماعة، ومنها حالات لفتاة اسمها »نوران« ترسم حالياً بشكل رائع وربما نقيم لها يوماً ما معرضاً خاصاً.
حالات التوحد التي مرت على الجماعة كانت مختلفة جداً، وإحداها كانت فتاة تردد كل ما نقوله أمامها من دون وعي وبشكل آلي رتيب. وارتبكنا في التعامل الأولي معها، لكن مع الوقت استطعنا مساعدتها من خلال تشغيل كل حواسها، وقمنا بتعليمها فرز ألوان الخرز والألوان على اللوحات إلى أن استطاعت بعد مرحلة أن تقف على »الستاند« وترسم كغيرها وتشاركنا التحيات وبعض العبارات.
وعن التعامل مع الكفيفين قالت صبري إن المشكلة تكمن في أن المجال الوحيد للتعامل معهم هو اللمس، وهذه الحاسة يمكن أن تنفعهم في تعلم العزف أو الكتابة بأحرف بارزة أو تركيب مجسمات أو النحت في مجال التشكيل، أما الرسم فهناك صعوبة كبيرة في تعليمهم إياه، فكيف الألوان أيضاً؟
تؤكد صبري أن ثمة حالة مرت على المدينة استطاعت فيها الجمعية تعليم بعض المكفوفين الرسم عن طريق وضع نقاط ارتكاز على اللوحة، ومساعدة الكفيف عن طريق سبر تلك النقاط والابتعاد عنها والعودة إليها بالطريقة ذاتها التي يلمس فيها الشكل على حقيقته في الواقع، ومن الحالات اللافتة أن هناك فتاة استطاعت السيطرة على حاستها السادسة وصار بإمكانها التفريق بين اللون الغامق واللون الفاتح.
ومن الحالات الغريبة الموجودة حالياً في الجامعة هي حالة الشاب »سعيد« الذي كان في الثانوية العامة، وعاد فجأة جراء مرض دماغي إلى طفولته المبكرة، ورغم أن القائمين على الجماعة يحاولون مساعدته قدر الإمكان، إلا أنه في الواقع بحاجة إلى أدوية وعلاج وليس لأهله القدرة على فعل ذلك.
محمود أبو حامد