هذه أول علاقة تماس مباشرة بين الفن والأدب من سنوات طويلة في زمن الجزر المنعزلة، والعلاقة تجمع اثنين أدمن كل منهما مهنة وأحبها فأحبته، هذه العلاقة شهدتها صفحات مجلة نصف الدنيا على مدار خمس سنوات سابقة، واليوم سوف تعرضها قاعة الفنون بدار الأوبرا، فالأحلام المعتادة..

هو اسم معرض الفنان محمد حجي (1940) لمجموعة لوحات يصل عددها إلى (60) لوحة، هي تكبير رسوم صحيفة رافقت وتناولت وعبرت وفسرت كتابات الأديب نجيب محفوظ.. أحلام فترة النقاهة، التي تعدت 200 حلما.

دخل الفنان محمد حجي من بوابة صاحبة الجلالة ولم يخرج منذ العام 1961، وفي الوقت الذي كان فيه الصحفيون معنيون بشكل وحجم أسماؤهم وطريقة الكتابة، كان حجي يرسم اسمه على التحقيقات الصحفية المرسومة بمجلة المنصورة الإقليمية،

وبعد أن أغلقها النظام في العام 1964 انضم لأسرة مجلة روز اليوسف، في وقت كانت تحمي فيه مسارات التقدم، واقترنت رسومه بكتابات العديد من كبار الكتاب في الوطن العربي.. منهم: محمد حسنين هيكل، مصطفى محمود، أحمد بهاء الدين.. وغيرهم.

وأن كان عمله الدبلوماسي في الجامعة العربية مشرفا على إدارة الشؤون الفنية والنشر أبعده عن الرسم الصحفي، إلا أنه إتجه إلى إصدار ثلاثة كتب اقترحها على نفسه ونفذها.. وهي شمال يمين و وصدر في تونس فترة وجود مقر الجامعة هناك،

والكتاب يسخر من الديكتاتوريات العسكرية ثم كتاب رسوم من ليبيا والذي يصور مظاهر الحياة اليومية في طرابلس، أما كتاب تحت الحصار فيجسد معاناة الشعب الفلسطيني في مواجهة العدو الصهيوني، ومن لوحات هذا الكتاب أقام معرضا بنفس العنوان بقاعة أفق واحد، وبلغت لوحاته أكثر من مائة لوحة، ومؤخرا صدر له كتاب رسام يقرأ القرآن من طهران.

ويقول حجي عن تجربة عرض لوحات رسام يقرأ القرآن في العاصمة طهران.. »لم أكن أتصور هذا الحضور الكثيف لمعرض فن تشكيلي، حضور بالآلاف، أشبه بشعبية كرة القدم لدينا«.

ويرى أن الرسم الصحفي شهد فترة ازدهاره مع اواخر الخمسينيات من القرن الماضي وحتى بداية عهد السادات، عندما أغلق أكثر من خمسين صحيفة ومجلة ومطبوعة، إلا أنه يضيف هناك أسباب عديدة لتراجع الرسم الصحفي منها عدم تعاطف القيادات الصحفية الجديدة مع هذا المجال من الفن ودوره وأهميته، ثم تفضيل عمل مخرجي الصحف الآن من أبناء كليات الإعلام،

فيما ترجع قواعد تأسيس الصحف في مصر لإسهامات خريجي كليات الفنون والفنانين في شتى فروع صناعة الصحافة بل أنهم دفعوا فواتير كثيرة للنهوض بالمهنة، والحفاظ على حريتها إلى درجة الاعتقال والنفي وقطع العيش والحرمان، بينما تنامت قوى رجعية أساءت لمسارات التقدم ممثله في التيار الديني.

وبين حجي أن أسماء الفنانين الذين تم اعتقالهم بسبب ممارساتهم الفنية في الصحافة عددهم بالعشرات منهم حسن فؤاد، جمال كامل، زهدي، أنجي أفلاطون، جاذبية سري، عز الدين نجيب، رمسيس يونان، نجيب، عبد الوهاب الجريتلي، طوغان.

وأوضح حجي إذا كان الفنان في حاجة إلى عزلة باعتبارها ضرورة وجزء من طبيعة عمله إلا أن نشاطه الإبداعي لا يمكن عزله عن المجتمع كما أن فن الرسم الصحفي فنا له جذور تاريخية عميقة ترجع إلى مقامات الحريري للواسطي وكتاب الحيوان للجاحظ.

ويتحسر حجي بآسي متسائلا: لماذا هذا التجاهل.. فقد أقيم معرضا للرسوم الصحفية بقصر الفنون قام عليه قطاع الفنون وتولاه الزميل محمد أبو طالي، لكن لم يزره صحفي واحد دون أكتراث وأحد رؤساء التحرير، أو عضو من مجال الودارات في الصحف.. لقد أصاب هذا البلد مريض عجيب قصدي فيرس.

وحول تجربته رسم أفكار نجيب محفوظ يقول أن الكتابات موحية وتثير قدرا من الخيال ومع ذلك قرأت تفسير الأحلام لفرويد، والكثير من الدراسات عن الأحلام والنوم.

لكنني كنت دائما عندما أشرع في الرسم أجدني أتجه إلى صيغة رسم اللوحات وليس مجرد التعبير السريع عن متن سوف ينشر في الصحف أو المجلات لذلك الرسوم المنشورة ومصاحبة ما هو منشور على صفحات المجلة، والأمر الذي دعاني إلى أن أقوم بإعادة رسوم كل الأعمال على قياس كبير وهو ما سوف نراه في المعرض.

القاهرة- سيد هويدي