تترك الفنانة صوفي ولبوف مسافة بينها وبين ذاكرتها، مسافة قد تكون وهمية، لكنها كافية لخلق تلك المساحة التي تبدأ فيها إعادة صياغة هذه الذاكرة البصرية على شكل مشهديات، تشبه إلى حد كبير تداعي الأفكار، أو اللقطات الفوتوغرافية، لكنها هذه المرة مرصودة من قبل عين فنية تكتشف جمالية ما ترى، وتعري هذه الجماليات من غبش الرؤية العالية، وعضوية الدهشة.
ومن هنا فإن معرض هذه الفنانة الذي افتتحه الأديب محمد المر رئيس مجلس دبي الثقافي في مجلس غاليري بدبي وجاء بعنوان »لقاء عربي إفريقي« يمثل حصيلة مشاهدات وتجارب ارتحالية عاشتها الفنانة على امتداد السنوات المنصرمة، وجاءت لتقدم هذه المشاهدات.
وفق رؤيتها الفنية الخاصة. وبلعبة مزجية ومزاجية تنقل الذاكرة من حيزها المعنوي، إلى لحظة جديدة متخلقة على شكل خطوط وألوان، وتطلب من المتلقي التقاطع مع هذه الذاكرة الشخصية والتي صارت، عامة ويمكن لأي شخص التداخل والتدخل، القبول والرفض.
تتنوع أعمال وتجارب هذه الفنانة وتمضي وفق عدة أطر رغم ذلك التناغم والتشابه الذي توحيه هذه الأعمال كانطباع أولي يمكن للعين أن تلتقطه، لكن هذه التجارب تخفي في عمقها محاولة جادة لتقديم اللوحة المشهدية وفق خصوصية تنزاح عن نمطية هذه الأعمال، لصالح خلق صياغات بصرية وحوارية لونية تقوم على التكثيف .
ونقل الشكل من واقعيته المفرطة، إلى ما يمكن القول عنه واقعية جديدة يتداخل فيها الوعي الخاص بالقيم الجمالية، إلى جانب اللعبة الفنية التي تماهي الشكل مع محيطه، لخلق تلك اللحمة بين عناصر العمل فراغه، وبين الكتلة والمساحات المحيطة التي تشكل العالم الذي يحتضنها، وتبرز فيه كنقطة ارتكاز ومحور، تبدأ منها اللوحة بصرياً وإليها تعود.
العنوان الذي اختارته الفنانة لهذا المعرض يحيلنا إلى محاولة الربط الذي اختارته صوفي ولبوف بين منطقتين جغرافيتين ارتحلت فيهما.
وعادت لتعيد النظر في هاتين المنطقتين اللتين رصدتهما في أعمال وفق هيمنتها الخاصة وفي أعمال أخرى حاولت خلق بعض التداخلات والتماهيات والمآخات بين الاختلاف الجذري بين جغرافية الجزيرة العربية، والسهول الافريقية.
أعمال ولبوف تتجاوز فكرة النقل الانطباعي والتعبيري لأفكارها لصالح تضمين هذه الانطباعات رسالة محورية مرتبطة بالبيئة والطبيعة بكل ما تعنيه ضرورة الحفاظ عليها من التوسعات والامتدادات المدنية المسعورة، ثمة حنين للفطرة القديمة.
للأرياف النائية، لوسائل الحياة البسيطة، للكائنات الحية المنقرضة أو المهددة بالانقراض، ومن هنا نجد تلك الالتقاطات التي تشبه البورتريه إلى حد كبير في تعاطيها مع هذه الكائنات.
وخاصة عبر تركيزها الشديد على الشكل الذي تحرر جموده بمساحات لونية صاخبة وبإيقاعية حركية للشكل المرصود. إضافة إلى مجموعة الأعمال الصغيرة القائمة وضع المتلقي في حالة شعورية تشبه تماماً رؤيته لرسوم الكهوف، ولتلك اللقى الفنية التي وثق الإنسان القديم حياته وعلاقته بالطبيعة.
تؤكد الفنانة ولبوف عبر مجموعة أعمالها علاقتها بالمكان الذي تعيش فيه، وهي علاقة مبنية على الرصد والتقاط حالات هذا المكان، وجميع الإيحاءات التي يمنحها، وخاصة من الناحية الطبيعية.
فالفنانة ترصد جوانب على غاية من الخصوصية في الإمارات، قراها البعيدة، وجغرافيتها المتنوعة وخاصة الجبلية منها، التي قدمتها عبر أعمال مائية بارعة ترتقي فيها لعبة المزج والسيطرة على اللون إلى درجة متقدمة جداً.
يفتح هذا المعرض بأعماله ومواضيعه نافذة واسعة على بوحية جميلة وعلى حميمية وجدلية لونية غنائية، تحتفي بقيمة الموضوع كفكرة وكأدوات طرح، وتحيل لقطاتها العديدة إلى احتفاء بالحياة البسيطة.
ورد فعل على قساوة واقع مادي ضاع منه التنوع، وغابت فيه الخصوصية، وانمحت عن تجلياته فتنة اللون، والجمال الفطري، وبالتالي انحسرت المساحة التي يتحرك فيها الإنسان، وافتقد لعناصر الدهشة ومتعة المشاهدة والتعبير.
حازم سليمان
