انتهت ليلة الخميس الماضي فعاليات مهرجان »الشام حضارة وإبداع« الذي نظمته مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية بالتعاون مع وزارة الثقافة السورية.
وحاول برنامج الأسبوع أن يحقق شمولية في أجناس وأنواع الثقافة، فكان الافتتاح بمعرض تشكيلي فني قدم نماذج من الحركة التشكيلية في سوريا، تبعه عرض تعبيري راقص لفرقة »انانا« وتتالت النشاطات الفنية من فرقة شيوخ سلاطين الطرب إلى السينما والموسيقى التي تجلت بمشاركة الفرقة السيمفونية الوطنية.
إضافة إلى الأمسيات الشعرية لشعراء سوريين كبار، والندوات الفكرية التي حاولت الإحاطة بالآثار والتاريخ والحركة الأدبية في سوريا، عبر حوارات مباشرة ومداخلات من قبل باحثين ومفكرين بارزين في شتى المجالات...
ويمكننا القول إن الأسبوع الثقافي السوري بتحققه للشمولية نجح في جوانب وتعثر في أخرى، فغياب العروض المسرحية لم يشفع له تقديم ورقة في الندوة الفكرية بعنوان »المسرح السوري واقع وآفاق مستقبلية« والضغط الكبير في برنامج الندوات الفكرية اختصر الكثير من مضامين الأوراق المقدمة.
وأربك بعض المحاضرين، فكانت الشمولية على حساب النوعية أحياناً.. بالتأكيد لا يخفى على أحد حجم الجهود والتكاليف المترتبة على القائمين بهذا المهرجان، ولكن هل تتناسب مع ما حققه من معرفة وتثاقف وتواصل.. طالما المعلومات صارت في متناول الجميع عبر الانترنت وثورة الاتصالات محت المسافات ؟
إن هذا المهرجان بمثابة ركيزة من ركائز التواصل في وطننا العربي، وخاصة إذا استمر كظاهرة، وعايشنا أسبوعاً ثقافياً موريتانياً أو يمنياً أو مغربياً كل عام .. ولا تكمن أهمية التواصل في التبادل المعلوماتي وحسب، بل في القراءات الحية للهواجس المشتركة وتبادل الحميمية اتجاه الأشياء.
وكيفية إدراك الأمور وتناول الآراء والاهتمامات بالأوليات، والتعرف على الآخر بكل الأحاسيس، والإطلال عن قرب على الحيز الحقيقي للإصغاء وطرائق الحوار ومكامن الاحترام ودوافع المحبة..
هذا عدا ترسخ علاقات إنسانية تنمي مشاريع ثقافية مستقبلية.. إضافة إلى إن الكثير من المجالات المعرفية والثقافية والإبداعية لا يمكن أن تنقل كاملة عبر الانترنت أو حتى الفضائيات.. والتبادل المعرفي لا تتحقق جوانب مهمة فيه إلا بالمشاهدة الحية.
ولا يقتصر ذلك على العروض المسرحية أوالمعارض التشكيلية، بل على طزاجة التلقي وكلية الاستقبال وحرارة الملامسة وبريق العيون المنعكس من دواخل النفوس.. وبهذا كله وما يمكن أن يضاف إليه يشكل المهرجان ركيزة للتواصل بين ما هو ثقافي وما هو اجتماعي.
وما هو إبداعي وما هو فكري وفلسفي وسياسي أيضاً، فلا تكمن أهمية هذه الركيزة في التواصل انطلاقاً مما تقدمه وحسب، بل في ترسيخ مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية لدور مغاير لمؤسسات المجتمع المدني التي تغيب كلية في بلدان عربية.
وتحبو بطيئة في أخرى، وفي تجسيد فهم جديد لعلاقة المال أو الاقتصاد بالثقافة.. ومن هنا على القائمين بهذه المهرجانات توخي الاستفادة من كل هنة صارت هنا وهناك.
وعلى مؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام عامة والصحافة خاصة التي غاب بعضها عن يوميات المهرجان بشكل لافت ــ أن تولي اهتماماً مميزاً بتلك الظواهر الثقافية لتكتمل ركائز التواصل.
ليس في إقامة الحدث وتغطيته، بل في تدوينه وأرشفته للمستقبل، أكان من خلال فسح المجال للاطلاع عليه عبر الشبكة، أم من خلال طباعة الأوراق المقدمة في الندوات ضمن كتيبات أو نشرات، نأمل أن تحمل يوما ما عناوين كل الأسابيع الثقافية العربية.
abohamed88@hotmail.com