أصبحت جد نادرة المحرضات التي تعيدنا إلى المرجعيّة الطبيعيّة والنفسيّة والاجتماعيّة التي كونتنا وتكونا فيها، لكن إذا ما توفرت هذه المحرضات، على ندرتها، سرعان ما تنتعش الذاكرة، ويتوهج الإحساس.

ويتوقد الشوق، وتهفو الروح إلى هذه المرجعية، فتحييها وتحيا هي من خلالها، هارةً عنها الصدأ الذي علاها، بفعل العادة والتعود والحروب المتواصلة على جبهة العيش والاستمرار في الحياة.

هذا العام، مر علينا شتاء يشبه الشتاءات القديمة التي أصبحت نادرة الزيارة لنا هذه الأيام، ما أعاد إلى ذاكرتي البصرية، صورة قديمة لإعداد وسائل التدفئة البسيطة في بلدتي (مصياف) عروس الثلج الجبلي، في الخمسينات والستينات من القرن المنصرف، والتداعيات الساحرة، لطقوس كانت ترافق عشايا وأماسي ذلك الزمن الجميل الهارب.

في تلك الأيام، كان الحصول على الدفء في الشتاء الريفي الجردي، شاقاً ومزنراً بالتعب والجهد الذي يبدأ مع أول موجة للبرد القارس، حيث تترمد العشايا، وترحل أسراب الطيور إلى الجانب الدافئ من العالم، وتنتهي موجة البرد هذه، مع اكتناز المروج والحقول والشجر وأسطحة البيوت الطينية، بألوان الربيع القادم.

فمع بداية موجة البرد القارس، كانت تُجهز في بلدتنا الكوانين والمواقد من تراب جنزاري اللون يُدعى (تراب سم الموت) والأحرى أن يُدعى (تراب سم النار) لما يتمتع به من قدرة عجيبة على تحمل النار ومقاومتها طوال الشتاء.يومها (في الخمسينات والستينات من القرن الماضي) كنا صغاراً، وكان البرد المعترف به من قبل رجال الجرود العالية.

هو ذاك الذي تحمله معها الرياح الشرقية، في كانون الثاني، إيذاناً بـ (الكنكنة) الشتوية التي يعكسها ببلاغة المثل الشعبي القائل (هذا كانون .. كن في بيتك يا مجنون).

ولأن التدفئة بالمواقد والكوانين الطينية هذه، لم تكن منتظمة ومستمرة طوال الليل الشتوي الجهم، كان لا بد لنا من التلهي عن البرد والضجر، بالحكايا وأخبار المواسم القادمة مع المطر.

في مثل هذه الليالي الشتوية، وبين وحاويحنا وتوقدات خيالاتنا الطفلة، تعرفنا للمرة الأولى، على عنترة وعبلة، والزير سالم، وأبو زيد الهلالي، ودياب، والأمير حسن، وعياض، والأميرة وضحى، وسيف بن ذي يزن، والظاهر بيبرس ... وغيرهم.

وهكذا تمتد الساعات، ويحلو السهر، بين رائحة الحطب الجردي المشتعل، والأطعمة البسيطة المشوية فيه وبه، وبين صور فوارس الأمس وحسانه، هؤلاء الذين رافقوا طفولتنا كجزء لا يتجزأ منها.

عندما جاءنا (صندوق الدنيا) ليعرفنا بالكلمة والرسمة على هؤلاء الفوارس والمليحات، أنعش ذاكرتنا البصرية، من جانب، وأصابها بالإحباط، من جانب آخر، لعدم تطابق الصور التي كوناها في خيالاتنا لهم مع رسوم صندوق الدنيا، وفيما بعد، في السينما والتلفاز، ما يؤكد ثراء المخزون التخيلي القادم من الحكاية الشفاهية أو المقروءة.

والذي سرعان ما يتوهج، كلما توفر ما يحرضه، ذلك لأنه شكل جانباً من البنية الأساسية للذاكرة البصرية التي رغم تطور وسائل الاتصال وإمكاناتها الهائلة، في تجسيد الحكاية نصاً وحركة وصورة موسيقى وبيئة وألواناً، لم تقارب ما نسجه الخيال.

وحفظته الذاكرة، بفعل الرواية الشفاهية أو المكتوبة، ما يؤكد مدى حيويّة وسحر وديمومة الصورة المُتخيلة، وتالياً آنيّة وعطالة وعادية الصورة الجاهزة التي نتلقاها بسرعة، ونفقدها بسرعة مماثلة !!.