لا يمكن أن يختلف اثنان على أن أسطورة الكرة الأرجنتينية دييغو مارادونا هو من دون أدنى شك ظاهرة كروية فذة. قد تحبه أو تكرهه فذلك شعور شخصي بني على خلفية سياسية أو مزاجية أو سلوكية، أما على صعيد العبقرية فلا نستطيع إلا أن نعترف بأنه كان عملاقاً على رغم قامته القصيرة. وقصة هذا »المارد القصير« الذي صبغ أربع دورات لكأس العالم بطابعه أشبه إلى حد بعيد بقصة الدكتور جيكل ومستر هايد الشهيرة أي بالإنسان ذي الوجهين الطيب والشرير معا.ً
كان مارادونا نسيجاً خاصاً في كل شيء في تألقه ونجوميته وشهرته وحتى في سقوطه المذل الذي مثل انتحاراً لموهبة كروية أبهرت العالم ووصلت إلى مرتبة عالية لم يسبقه إليها إلا بيليه. واللافت أنه على رغم محاولات مارادونا الكثيرة للهروب من واقعه الأليم، كان يسقط دوماً من جديد إلى أن نجح مؤخراً. ومن عايشه وعاشره يعلم تماماً أنه عاش طفولة مشوشة برغبة جامحة في الثأر من ظروفها القاسية والزمرة التي أحاطت به دوماً كانت تئن بدورها من وطأة الفقر.
وعندما لمع نجم رفيقها وبدا يحصد ذهبا أحاطت به من كل صوب وحدب ومنعت حتى الهواء من النفاد إليه وما دار في هذا المحيط المغلق سيبقى سراً مهما حاول الإعلام العالمي الغوص فيه لاكتشاف أسراره، ولعل أبرز مظاهر تعملقه ما حدث في مونديال المكسيك عام 1986.
عندما قاد بلاده إلى الفوز باللقب بمنتخب نصف كسيح وكيف انه سجل هدفاً أقرب إلى المعجزة في مرمى الحارس الانجليزي بيتر شيلتون بعدما كان سجل في مرماه أيضاً هدفاً غير شرعي بيده ما عكس تماماً حكاية الدكتور جيكل ومستر هايد.
ولد مارادنا في إحدى ضواحي بوينس ايرس وداعب الكرة للمرة الأولى في حياته في الشارع على غرار الملايين من الفقراء وشاهده مدرب أرجنتينيوس جونيور وضمه إلى أشبال النادي. ولأنه كان بارعاً قرر المدرب أن يقوم مارادونا باستعراض مهاراته بين شوطي مباريات الكبار فصارت الفرجة عليه تجذب جماهير أكثر من تلك التي تأتي لمشاهدة المباريات.
أول انجازات المارد القصير تمثلت في قيادة بلاده إلى الفوز بكأس العالم للشباب عام 1979 في اليابان ما دفع نادي بوكا جونيورز إلى استدانة خمسة ملايين دولار ليدفعها في مقابل الحصول على توقيعه ثم انتقل إلى برشلونة الاسباني بيد أن تجربته معه كانت مأساة حقيقية، ففي الموسم الأول أصيب بالتهاب معوي حاد حرمه اللعب غالبية المباريات وفي الثاني تعمد مدافع أتلتيكو بلباو أندوني غويكوتشيا الملقب بجزار بلباو إصابته فكسر ساقه وكاد يقضي على مسيرته الكروية.
ثم انتقل إلى نابولي الايطالي مقابل 8 ملايين دولار وهبط مارادونا من طائرة عمودية في وسط ملعب سان باولو في ضاحية فورو جروتا والتقى جمهوره الايطالي تحت أنظار مئات الصحافيين والمصورين وعدساتهم.
ومعه انقلب نابولي من أفضل خاسر إلى أحسن رابح وتحسّن ترتيبه إلى أن حصل على اللقب موسم 1986/1987 للمرة الأولى في تاريخه. وهو لعب دولياً من عام 1977 إلى عام 1994 وخاض خلال هذه الفترة 115 مباراة سجل فيها 43 هدفاً وشارك في أربع نهائيات لكأس العالم.
أما الصفحة المظلمة في حياة هذا الرجل فبدأت في عام 1991 خلال فترة الراحة بين شوطي المباراة التي جمعت فريقه نابولي وضيفه باري حين اختير مارادونا لفحص روتيني للكشف عن المنشطات وكانت نتيجة الفحص إيجابية وأوقف لمدة عامين ثم توالت أفعاله المشينة وقيل إنه كان على علاقة بالمافيا ومتورطاً في تجارة المخدرات.
وضمت هذه الصفحة مصائب أخرى كثيرة أبرزها تعديه بالضرب على صحافيين وإطلاق النار على غيرهم وأمور اخرى يندى لها الجبين. أما آخر فصوله الرياضية فكانت حصوله على جائزة لاعب القرن عبر الانترنت فيما ذهبت جائزة لاعب القرن باختيار من الفيفا إلى بيليه طبعاً.
