الغجر.. لعله أكبر شعب في تاريخ الإنسانية تعرض للظلم والقهر والتهجير، أطلقت عليهم مسميات عديدة في البلاد التي حلوا بها.. فهم » البوهيميون « في فرنسا و» الجيتانو « في أسبانيا.
والجيبسي في بريطانيا، الحلب والنور بفتح النون والواو في مصر و» الغجر « عرفوا بأنهم رحل لا يستقرون في مكان وكان مواطنهم الأصلي الهند منذ رحلوا عنها في القرن الثالث، حمل تاريخهم صفحات مريرة من الطرد والإجراءات المتعسفة، ووضعتهم ألمانيا النازية في معسكرات الاعتقال عذبوا .
وعقموا وأطلق عليهم الغاز السام، ولكن في العقود الأخيرة من القرن العشرين تحسنت أمورهم على يد لجان حقوق الإنسان واعترف بلغتهم، وساعدوهم على الاستقرار في مساكن لائقة ونيل قسط من التعليم واعترفت بهم الأمم المتحدة كجماعة عرقية.
إلى جانب الأعمال الحرفية التي اشتهروا بها كالحداده عرف » الغجر« بموسيقاهم، وغنائهم ورقصاتهم عرفوا، ببدعهم وخرافاتهم، وكذلك بعرافيهم ودجاليهم القدرية وروح الدعابة كأنما يريدون من خلالها نسيان ما عانوه في الماضي من مآس.
من المؤكد أن المؤلف المسرحي والشاعر نبيل خلف، قبل أن يخط أول سطر في مسرحيته الشعرية الغنائية الجديدة » آه يا غجر « قد وعى تاريخ الغجر هذا.. يقدم من خلال الغناء والشعر حياتهم وترحالهم ومعاناتهم.
. ترمز لهم شخصية » رامو« التي أداها بسلاسة وبصوته الشجي المطرب على الحجار الذي تمثل له الموسيقى الشهيق والزفير » والهدير والهرير«.. يغني وهو بين القضبان..
رأسه محشور في دوائر المنير الخشبي ومع هذا يثور على » ساحر أوز « المتعطش للدم المتلذذ بتعذيب البشر.. وأدى دوره بتمكن وسيطرة الفنان الشاب أحمد سلامة والذي لا يهمه إلا الاحتفاظ بكرسي الملك.. أما » كارتن « ابنة أوز فتمثل صوت الشباب إذ تبدو حائرة بين تقاليد جماعتها.
وتطلعها للتحرر وتألقت في الدور الفنانة الشابة رنا نبيل وهي ابنة المؤلف التي تمثل منذ طفولتها في مسرحيات الأطفال التي كتبها خلف في حين تبدو » شاقية « العرافة، التي قامت بدورها سوسن بدر، كصاحبة الحكمة المستبصرة وتؤدي الفنانة منى حسين دور الغازية » الراقصة « المولعة بإغواء الرجال.
مع تناول حياة الغجر من خلال تاريخهم وترحالهم وعاداتهم من منطلق الدفاع عن حق أقلية عرقية في مواجهة عالم شرس تضمنت الحوارات إحالات نقدية على العصر مثل »العسكري اليانكي«. جيمات الفيديو »وأفلام العنف وفنون الموضة وهوس الإعلان وفيروس جراحة التجميل والتكنولوجيا وتجارة السلاح.
ونجح المخرج ناصر عبد المنعم وله تجارب سابقة عديدة مع مسرحيات نبيل خلف للأطفال والكبار في تحويل نص شعري إلى عمل استعراضي غنائي جذاب بفضل ألحان أحمد الحجار وغناء شقيقه على الحجار والاستعراضات التي صممها ضياء محمد بعناصر شابه مصرية وأجنبية .
والديكور المتميز الذي يضعك من لحظة دخولك في جو الغجر برموزه - هيكل عظمى لخفاش ضخم على الجدار الخلفي وأياد كبيرة الحجم تشير إلى إتجاهات معاكسة من تصميم الفنان محمود حجاج.
وفرت المنتجة الفنانة الأردنية أروى قدورة كل ما تطلبه العرض من إمكانيات فنية وبشرية مما جعل المسرحية التي عرضت في مسرح البالون محل إقبال منذ النصف الثاني من شهر رمضان الماضي في نفس الوقت الذي أغلقت فيه مسارح القطاع الخاص أبوابها.
واكتفت مسارح القطاع العام بسهرات رمضانية، وأعطى الثلاثي قدوره – كمنتجة وخلف كمؤلف – وعبد المنعم كمخرج مثالا طيبا لقيمة التعاون والتآلف والعمل المشترك فكان أن لاحظنا أن الأطفال والصغار قد شاركوا الكبار في الاستمتاع بالعرض ليس فقط باستعراضاته وأغاني على الحجار والحركات الأكروباتية بل بما حمله من أفكار.
وقد عرف المؤلف الشاعر نبيل خلف بأعمال جيدة في مسرح الطفل الذي يجمع مشاهدوه بين الأطفال والنشء أو الشبيبة في مختلف المراحل وقد تعامل خلف مع » مسرح الطفل« بمفهوم مغاير.
. مفهوم لا يتجاهل العصر ومعارضه وتقنياته بل لا يتجاهل ثقافته العلمية والسياسية، وهو نفسه يقول في دراسة له، » إن سعي الأطفال لاكتشاف العالم بشغف وفهم.
ومتعة يشبه كثيرا سعي العلماء للاكتشاف وإبداع رؤى جديدة للعالم، ففي مسرحية الأم الخشبية يتناول موضوعا علميا يختص بالهندسة الوراثية ويستخدم خلال الحوار مصطلحات مثل »البصمة الوراثية« و»الفيزياء النووية« وبلاء الجات ».
كما يناقش العرض السلطات العالمية التي تهيمن على العلم والعلماء وتسخرهم لأعراضها الخاصة كنوع من أنواع الهيمنة والسيطرة، ليست السيطرة التقليدية للاستعمار، ولكن الشكل الحديث للسيطرة في ظل العولمة.
وفي أوبريت » أرنب وعقرب وفيل» يتناول قضية الأحلام التي تريد قوى الشر تحويلها إلى كوابيس والقوى العظمى مثل أميركا التي تتآمر وتبطش بالدول الضعيفة المسالمة تحاول أن تربط بين الأطفال والصراع الدولي، السياسي والعسكري الراهن من خلال مستويين للتلقي، المستوى الواقعي المباشر القريب ومستوى رمزي يوحي بدلالات أوسع مدى وأعمق.
إن العرض يستعير من عالم الحيوان دلالات رمزية فالأرنب يمثل المسالمة وقلة الحيلة، والعقرب اللدغة السامة، والفيل القوة الضخمة الباطشة أما المدرسة فهي رمز النور والنهوض بالمجتمع.
القاهرة – فوزي سليمان