نظم المجلس الأعلى للثقافة في مصر ندوة بعنوان »عصر محمد علي« بمناسبة المئوية الثانية لتوليه حكم مصر تميزت بالتباين الشديد بين آراء معظم المؤرخين المشاركين من مصريين وعرب وأجانب واتسمت المناقشات بالحدة .
وإن لم تخل من عمق واستفاضة حيث أكد الدكتور بكر إسماعيل الدسوقي أن محمد علي أرسل العديد من أبناء الشعب المصري في بعثات علمية وعسكرية وثقافية وهندسية إلى الخارج بهدف نقل معارف الغرب إلى مصر والاستفادة منها.
وقد شجع إرسال البعثات إلى أوروبا وخاصة إلى فرنسا، وكذلك إيطاليا وإنجلترا. كانت البعثات في أول الأمر لدراسة الفنون العسكرية، وبناء السفن والملاحة، وتعلم الهندسة والميكانيكا، وأحوال الري.
ولما رأى محمد علي أن التعليم التقليدي في الأزهر لا يهتم إلا بالإسلام، قام بإرسال بعثات ثقافية إلى أوروبا لدراسة السياسات التعليمية فبدأ أولا بإيطاليا نظرا لوجود عدد كبير من الإيطاليين في مصر، وبناء على نصائح دورفيني القنصل الفرنسي تحول إلى فرنسا لأنها أكثر انفتاحا على المسلمين.
واختار محمد علي رفاعة الطهطاوي ليكون إماما للبعثة إلى فرنسا فأقام رفاعة في باريس بين سنوات 1826 ـ 1837 قد كتب رفاعة بحثا بعنوان الاقتصاد والتاريخ طالب فيه بتحديث العلوم والتعليم في الأزهر وجعله عصريا ينفتح على المواد التعليمية الحديثة، وعدم الاكتفاء بعلوم القرآن والدين.
وقد سار رفاعة في الشوط حتى نهايته في مطالبته بفكرة ثورية تقضي بفصل الدين عن الدولة. وقد أنشأ رفاعة بعد عودته إلى مصر مدارس للمعلمين وللترجمة ومطبعتين احداهما للجيش والأخرى للمؤلفات المدنية.
وفي الإطار نفسه تحدث الدكتور شبل بدران عن جهود محمد علي في تحديث الثقافة والتعليم في مصر.. وهو بداية يناقش حركة التجديد والتحديث في المجتمع المصري على الصعيد الثقافي والتعليمي.
حيث يرى البعض أن بواعثه تعود إلى الحملة الفرنسية وما قامت به في تحريك المياه الآسنة، ويرى البعض الآخر أن الفضل يعود إلى جهود محمد علي في بناء الدولة الحديثة، والبعض الثالث يرى أن دور رواد التنوير الفكري في مطلع القرن وخلاله كان هو الباعث الأول لتلك النهضة والتحديث.
يرى الباحث أن تحديث الفكر والثقافة والتعليم في مصر لم يكن مرجعه الوحيد عصر محمد على، بل له جذور ممتدة إلى ما قبل فترة حكمه، إلا أن الظروف لم تشجع على ذلك.
كما ترجع حركة التجديد ـ في رأيه ـ إلى دور الرواد الأوائل لحركة التنوير الفكري في مصر، أمثال الشيخ حسن العطار ورفاعة الطهطاوي، ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وعبدالله النديم وغيرهم.
وأوضح الباحث أن جهود محمد علي في تحديث التعليم المصري والثقافة المصرية التي كان لها الفضل الأكبر في نشر الوعي الاجتماعي والسياسي بقضايا الوطن والوطنية، فلم يكن هناك ـ حديث سابق عن فكرة الوطنية سوى ما كتبه رفاعة الطهطاوي أثناء بعثته في فرنسا.
وتكونت فكرة الوطنية التي كان لها الدور الأكبر في مواجهة الاحتلال البريطاني في أواخر القرن الثامن عشر. في المقابل يقدم الدكتور سعيد إسماعيل علي وجهة نظر مخالفة حول سياسة التعليم في عهد محمد علي، وذلك في بحثه »عسكرة التقدم..
بناء الإنسان قهرا« فهو رغم اعترافه بأن محمد علي كان حاكما فريدا وأنه كان صاحب مشروع للنهضة كانت له تداعياته التي لا تنكر في المنطقة العربية بأسرها، إلا أن هناك كثيرا من السلبيات تكشف عنها أساليب الاستبداد والقهر واللاإنسانية، لم يكن محمد علي هو الذي استحدثها، فهى كانت قائمة من قبل لمدة قرون.
وربما كان دوره هو تقنينها وتعزيزها وتسويقها. ومع الاعتراف مبدئيا بأنه استهدف من مثل هذه الأساليب القهرية تنمية وتطويرا إلا أن العسكرة أسلوب في الإدارة، والحكم والتفكير يقوم على الفرض والإملاء وغياب المناقشة،ويحكمه بنهج الغاية تبرر الوسيلة.
تحدث الفنان التشكيلي الدكتور أحمد نوار عن التنسيق الحضاري في عصر محمد علي، مؤكدا أن محمد علي لم يكن مجرد سياسي يضع نظاما وفق تطلعات مستقبلية في مضمار السياسة، لكنه كان يرسخ لنظام شامل ربما استوعب انماطا متغايرة.
وقد بدأت نقطة التحول الكبرى في التطور العمراني والمدني للقاهرة الحديثة في التكون في عهد محمد علي لتأخذ ملامح وهيئة المدنية الحديثة لاحقا، إحلال نوع من الخدمات البلدية من تنظيف وإنارة الشوارع وهدم الدور الآيلة للسقوط أو إعادة تعميرها، وتنظيف الأسواق، وتخصيص قنديل لكل ثلاثة حوانيت وإزالة الأنقاض المحيطة بالقاهرة.
واستقدم محمد علي مهندسين أجانب فظهر تأثير طراز »الروكوكو« في كثير من المباني، كما ظهرت أنماط تركية وألبانية، وظهر ما يعرف بالطراز الرومي، ونتيجة الحركة العمرانية قامت مدن جديدة مثل »الزقازيق« وازدهرت مدن بالوجهين القبلي والبحري كانت مجرد قرى.
أكثر من بحث عن علاقات محمد علي بالمنطقة العربية.. التي كانت تحتلها الدولة العثمانية ودوره فيها، ففي بحثها عن تجربة محمد علي في الشام 1937 ـ 1841 أوضحت الدكتورة لطيفة سالم أن الشام لم تغب عن عيني محمد على لأسباب متعددة:
استراتيجية واقتصادية واجتماعية ودينية، بالإضافة إلى رغبته الملحة في ولادة نهضة جديدة، تطيح بأساليب النظم القديمة وبأنواعها.. وقد استفاد من العداء بين القوى المتصارعة في الشام.
ورمي بشباكه حتى اصبح على ثقة من أن الشوام بحاجة إليه لينشلهم من سوء الأوضاع التي يرزحون تحتها، وقد استطاعت الحملة المصرية بقيادة إبراهيم ابن محمد علي أن تستولي على الشام، رحب الشوام بالقدوم المصري، ما عدا عكا التي استسلمت في النهاية.
خلال الحكم المصري 1831 ـ 1870 تأسست مجالس الشورى، وأغلق باب الرشوة، وفي المجال الاقتصادي نقل محمد علي تجربته في مصر إلى الشام فأقصى النظام الإقطاعي، وطبق سياسة الاحتكار، واهتم بالفلاحين وأثمرت سياسته الزراعية، ونشطت التجارة.. كما اهتم محمد علي بالتعليم، لخدمة الأهداف العسكرية أساسا، وبالصحة وتوفر الأمن.
أمام الايجابيات.. كانت هناك سلبيات منها فرض إمداد وتموين القوات العسكرية، والضرائب وسياسة الاحتكار والتجنيد الإجباري، مما دفعهم إلى الاحتجاج.. عن طريق الثورات فقامت الثورة الفلسطينية والثورة الدرزية واللبنانية.
كل شيء انتهى.. بتكاتف الدول الأوروبية لإسقاط الحكم المصري، وعقب معاهدة 1840 ينسحب محمد علي من جميع المناطق التي استولي عليها، وهذا ما انسحب أيضا على الوجود المصري في الجزيرة العربية كما انتهى البحث الذي قدمه عبدالواحد النبوي.
• نقد محمد علي
الدكتور فتحى عبدالفتاح رئيس تحرير يرى أنه مع الاعتراف بأهمية الإجراءات التي اتخذها محمد علي خاصة في مجال الزراعة والصناعة، إلا أن الوقائع التاريخية نفسها لا تؤكد هذا التحول الخطير الذي يذهب إليه البعض، بل تؤكد أن محمد علي نفسه في أواخر أيامه.
وتحت ظروف داخلية وخارجية صفى الكثير من إجراءاته مقابل أن يحفظ لنفسه ولأسرته حق الاستمرار في حكم مصر، وفي نفس الاتجاه الحر يرى الدكتور فتحى محمد إبراهيم أن محمد علي أدخل مصر إلى التكنولوجيا الحديثة، ولكن أشكال التنظيم الجماعي التي طبقها .
وأدخلها لكي يمهد الطريق للتحديث التكنولوجي، مخالف وفي الحقيقة مضاد لأشكال التنظيم الاجتماعي التي دعمت التقدم التكنولوجي لإنطلاق أوروبا في عصر صعود الرأسمالية، والمشروع الحر، والكلية الفردية، والتوسع الرأسمالي في أوروبا.
وقد أدت سياسته إلى تدمير الطبقة المتوسطة المصرية، ولم يحدث أي تقدم حقيقي في مجال تنظيم العمل، اعتبر محمد علي العمل المجاني القسري المفروض على السكان وكأنه شيء طبيعي بل اقتصادي، إنه نظام السخرة غير الشرعي.
وأوضح إبراهيم أنه رغم كون كلوت بك واحدا من المدافعين عن محمد على إلا أنه يرى أن محمد علي لم يكن رسولا من رسل الحضارة والعمران وإنما رجل سياسة وحرب، استهدف الاستيلاء على السلطة وتدعيمها بالقوة العسكرية والدهاء.
أو كل ما باستطاعته من أدوات الدولة الحديثة، فكانت الإدارة والتكنولوجيا مجرد وسائل لخدمة أهدافه العسكرية، إن آخر ما كان يفكر فيه هو بناء »الإنسان« في مصر، ولهذا فإنه ما أن ذهب محمد علي حتى أصبح كل شيء شيده حفنة من الرمال!.
القاهرة ـــ فوزي سليمان: