من بين الأفكار القليلة التي توقف عندها الغرب وحاول الاستفادة والنهل منها مبادئ (الصوفية) كمذهب عرفاني تتداخل فيه الحكمة بالشعر والروحانيات .. وتبدو الصوفية لدى كثيرين في الغرب واحدة من سبل الخلاص الإنساني التي راجت عن ثقافات الشرق مثل (التاو) الصينية وبعض فلسفات التأمل الهندية التي تقود الإنسان في النهاية الى المعرفة الحقيقية .. والى جانب ابن عربي والنفري والحلاج يتربع على عرش الشعر الصوفي الرائج في الغرب خمسة من شعراء فارس الكبار وهم النسّائي والرومي والعطار وسعدي وحافظ حيث ترجمت معظم أعمال هؤلاء الى اللغات الأوروبية وتمت دراستها وتحليلها.
ورغم الشحنة الروحانية العالية التي تزخر بها نصوص كل هؤلاء، الا ان الصوفية في حقيقتها وعمقها لا ترتبط بالشعر.. وينبغي فعلا الفصل بين (الشعرية) التي تتحقق في خلاصها وصفائها وانتمائها للشعر فقط ،وبين الصوفية التي هي نظرة تأملية شاملة لمعنى الوجود تحكمها الكثير من التعاليم والطرق. وإذا كان بعض شيوخ الصوفية قد كتبوا الشعر وعبروا عن رؤيتهم للوجود من خلاله فإن هذه لا تعد قصائد (صوفية)، ومن الغريب ان نقول ان هناك (شعراً صوفياً).. كما من الخطأ ان نقول شعر(المرأة) او الشعر الديني ..الخ. ذلك لأن الشعرية لا تتحقق في المحدود او المؤطر.. وإذا وجدت فيه فهي ناقصة وتابعة وليست أصلا وقاعدة..
يمر المريد في طريقه للارتقاء الصوفي على عدة طرق ومناهج .. ويتلقى أثناء الرحلة تدريبات في الـتأمل والمحبة (ليس الشعر من بينها).. والحقيقة الخالصة التي تتجلى له في نهاية الدرب تكون في العادة على شكل النور الصافي والصمت العظيم الأكبر من الكلام والوصف حتى ان بعض المتصوفة يرى في الكلام تحديدا وتقييدا للمعاني الكلية الكبرى, ويفضل عدم إقحام اللغة او إطلاق الأسماء على ما يتجلى من حقائق وعرفان.
في المقابل، يمكن ان نلمس حالات صوفية تأملية عند كل الشعراء الكبار في العالم..فكل تأمل وبحث عن الحقيقة هو في العمق ممارسة صوفية.. لكنها ممارسة غير ممنهجة ولا تقود الى الارتقاء.. كذلك فإن خطابات ابن عربي والحلاج والرومي والشيرازي نراها مقيدة بالشعرية.. وان تحقق شرط الشعرية فيها ضاع التعبير الصوفي .. ولا اعرف لماذا لجأ هؤلاء الى اختيار الشعر لشرح أفكارهم وتلبيس القصائد بالرموز والألغاز والطلاسم الصعبة ،واغلب الظن ان اللجوء للشعر كان بغرض (التخفي) والهرب من السلطة الدينية السائدة وليس تحقيقا للشعرية في حد ذاتها.. وهكذا لا يمكن ان نسمي طواسين الحلاج بأنها قصائد شعرية لمجرد انتظام الوزن والقافية فيها.. والكثير الكثير من قصائد الشيخ ابن عربي ضعيفة في شاعريتها خاصة من ناحية المعنى، حيث لا نجد معاني (شعرية) وانما مجرد شروح وأفكار مباشرة مصاغة في قوالب موزونة.
الصوفية حالة تأمل عالية غايتها الكشف.. والشعرية إبداع دائم لمعانٍ تتجدد على الدوام.
akhozam@yahoo.com