استعرض الدكتور عبدالله أبوهيف في بداية حواره مع »البيان« التطورات التي طرأت على الكتابات الإبداعية في سوريا مؤكداً أن التطور في الرواية والمسرحية وأدب الأطفال لافت للنظر، ويكاد يكون قفزات أدبية خلال فترة قصيرة من عمر التجربة، وفيما يخص الاتجاهات فإن الممارسة الأدبية في المرحلة الراهنة تكشف عن اكتمالها وسيرورتها الإبداعية من موقع الانفتاح الفاعل مع تراث الإنسانية، دون أن يقطع صلته الحميمة والإيجابية مع التراث العربي والتقاليد الأدبية العربية، فلا تزال الأشكال الفنية في الجنس الأدبي الواحد تتجاوز في فضاء الإبداع المشترك.

كما هو الحال مع النثر القصصي والكتابة الشعرية، ونلمس في هذا المجال حيوية الصراع بين الاتجاهات بحثاً عن إبداع أصيل ناجز ينتمي إلى زمنه ويعبر عن روح العصر، فالأدب العظيم يتعدى دائماً حوار الشكل والمضمون، كما نلمس قضية تأصيل التقاليد في الإبداع الأدبي الحديث، فقد استوت المؤثرات الحداثية بمصادرها الأجنبية أساساً داخل تجارب أدبية معتبرة، وثمة شواهد في الأجناس الأدبية كلها.

وفيما إذا واكبت الحركة النقدية في سوريا التطورات الإبداعية قال د. أبوهيف إن الحركة النقدية في سوريا تطورت كثيراً خلال ربع القرن الماضي، بفضل الجهود الاكاديمية والثقافية، وتوسعت المجالات النقدية إلى حد كبير في الاطار النظري والتطبيقي، ولكن الاهتمام المباشر عن طريق وسائل الاتصال ومؤسسات الثقافة وأجهزتها يكاد يكون ضعيفاً، ويقتصر بشكل ضيق على أساتذة الجامعات الذين يطبعون اطروحاتهم النقدية وفي الغالب يتوقفون بعد ذلك.

وأكد د. أبوهيف أنه لم يمكننا ان نقول ان هناك نقاداً شغلهم كله على النقد الأدبي، فهذا ليس موجوداً وأغلب النقاد في سوريا هم أدباء، وبالنسبة للنقد الصحافي فهو ضعيف في سوريا وهو عبارة عن مراجعات أو قراءات للكتب والمنشورات ولا تغطي غالبية المطبوعات، ولا تقوم على خيارات أدبية سليمة، وثمة مبدعون كبار لم تأخذ كتبهم العناية حتى الآن، أمثال المرحوم بديع حقي وممدوح عدوان وشكيب الجابري وغيرهم، هؤلاء لم يجدوا في حياتهم ولا بعد رحيلهم التناول النقدي الشامل والمحلل لأعمالهم، وبشكل عام ما يغلب على النقد هو الانطباع والإنشاء، ولذلك الضرورة تستدعي أن يتجه النقد والممارسة النقدية إلى تطوير العمل النقدي الذي يعالج الأدب في سوريا نظرياً وتطبيقياً، وحتى أكاديمياً.

الاهتمام المؤسسي

الحديث عن الدور الثقافي الذي تقوم به مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، يقودنا للتطرق إلى مؤسسات المجتمع المدني السورية، ويوضح الدكتور عبد الله أبو هيف أن الاهتمام بتلك المؤسسات بدأ منذ أربع أو خمس سنوات، وقبل ذلك كان عدد تلك المؤسسات قليلاً جداً، مثل جمعية العادّيات، ولكن منذ نحو عشر سنوات أسس يحيى القضماني وهو رجل أعمال سوري مقيم في الإمارات، لجائزة المزرعة الأدبية في السويداء، ومنذ ثلاث سنوات ترسخ جهد مهرجان السنديانة في طرطوس، ومهرجان الشجرة في مخيم اليرموك بدمشق، وأيضاً تأسست قبل عامين »الدار للثقافة والفنون« وصاحبها محمد دعدوش، شقيق الفنان السوري محمود دعدوش المقيم في إيطاليا.

ويرى د. أبو هيف أن التوجه إلى مؤسسات المجتمع المدني التي تدعم انتشار الثقافة وحرية الإبداع، بدأ يشكل ظاهرة في سوريا، ووزارة الثقافة السورية تسعى جاهدة للتواصل مع تلك المؤسسات داخل الدولة وخارجها.

اتحاد الكتاب العرب

كون الدكتور عبد الله أبو هيف عضو مجلس اتحاد الكتاب العرب وعضو مكتبه التنفيذي منذ عام 1980، وكون اتحاد الكتاب العرب من المؤسسات الثقافية الفاعلة في سوريا والوطن العربي، توجهنا بسؤال د. أبو هيف عن غياب الاتحاد عن بعض الدول العربية ومنها الإمارات، فقال: يوجد في دولة الإمارات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وهناك اتفاقيات عقدت مع الاتحاد لكنها لم تنفذ عملياً من الجانبين، ولعل السبب يقوم على أمور لا يمكن الحديث عنها بوضوح، لكن أشير إلى نقطة أن اتحاد كتاب الإمارات يشارك في لقاءات مع الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، وعلى سبيل المثال، كنا في مؤتمر المكتب الدائم للاتحاد في ليبيا أواخر شهر »يوليو « وأوائل »أغسطس« وجاء إلى جانب الوفود العربية وفد من الإمارات، ولا أستطيع الحديث عن مدى تحقق أو تنفيذ الاتفاقيات التي تعقد، أما أنا شخصياً فأتابع الحركة الثقافية في الإمارات، وأتواصل مع الأدباء والكتاب، والأمر الرسمي بحاجة إلى إجابات مع المعنيين به.

تنمية ثقافية

بالعودة إلى مؤسسة العويس الثقافية قال الدكتور أبوهيف إن ما قامت به المؤسسة بالتعاون مع وزارة الثقافة السورية والسفارة السورية في الدولة يدعم عمليات التنوع الثقافي العربي والتقارب المعرفي ويعزز العمل المشترك ويخدم أشكال التنمية الثقافية العربية، وجهد مؤسسة العويس يسهم أيضاً في أهمية طرح القضايا التي تنظمها مثل هذه التظاهرة، حيث نجد أن القائمين على هذا الأسبوع يحرصون على العناية بالأبعاد التاريخية والمعرفية والثقافية للإبداع في سوريا، وفي الوقت نفسه هناك جملة من الأسئلة تسعى الفعاليات الثقافية للإجابة عنها، وخاصة إن المشاركات فيما يخص التواصل بين التراث العربي والتراث الإنساني، أي عندما وضعوا عنوان »حضارة وإبداع« يعني إن هذا الأمر لا ينقطع عن تنوعات الثقافة العربية، وأيضاً لا ينقطع عن التغيرات الكثيرة التي بدأت ضاغطة ومؤثرة على النمو الثقافي العربي في العصر الحديث.

وأعرب د. أبوهيف عن تقديره الكبير لمؤسسي العويس، معتبراً إياها من أفضل مؤسسات العمل الثقافي في الوطن العربي، وخاصة إنها تتميز في مد مشروعاتها إلى نشاطات جديدة وعلاقات ثقافية من شأنها أن تعزز العمل الثقافي العربي المشترك وان ترسخ المعاني والدلالات والأهداف الثقافية العربية، والقائمون على الجائزة لم تقتصر اتجاهاتهم على حصرها في جنس أدبي معين بل أضافوا إليها ما يسمى بالانجاز الثقافي العربي، وهذا يؤيد مسعى المؤسسة لترسيخ جهود التنمية الثقافية، ومثل هذا الأسبوع جهد كبير في هذه المساعي.

د. أبوهيف في سطور

يعمل الدكتور عبدالله أبوهيف استاذاً لعلوم اللغة والبلاغة والنقد في قسم اللغة العربية بجامعة تشرين، ومديراً للمراكز الثقافية العربية في وزارة الثقافة، ورئيساً لتحرير مجلة الأسبوع الأدبي، أميناً لتحرير مجلة الكاتب العربي.

نشر عشرات الأبحاث المحكمة ومئات المقالات في عدد كبير من الدوريات العربية، صدر له في مجال القصة موتى الأحياء عام 1976، ذلك النداء الطويل عام 1983، وهواجس غير منتهية عام 2004م.. في النقد والفكر تتجاوز إصداراته العشرين إصدار منها مقالات في المسرح السوري، فكرة القصة، أدب الأطفال نظرياً وتطبيقياً، الأدب العربي وتحديات الحداثة، القصة العربية الحديثة والغرب، الشرق أوسطية والفكر العربي، الحداثة في الشعر السعودي، قناع المتنبي في الشعر العربي الحديث، والثقافة العربية وتحديات العصر.. شارك في تأليف 26 كتاباً، وضع مقدمات لــ 18 كتاباً. وساهم في مهرجان الشام حضارة وإبداع الذي أقامته مؤسسة العويس الثقافية من 13 ـــ 17/11/2005 بورقة عمل عن الحركة الأدبية في سوريا »الأدب والنقد الأدبي«.

حوار ـ محمود أبو حامد: