اعتبر السفير السوري، الدكتور رياض نعسان آغا، ان التظاهرات الثقافية في الوطن العربي تحقق جملة من الأهداف، أولها التواصل بين المثقفين والمبدعين، وترسخ عبر المعرفة الشخصية لعلاقات انسانية تنمي مشاريع ثقافية مشتركة...

بالإضافة إلى بعض المناشط الثقافية التي يصعب كثيراً التعريف بها عبر وسائط كالتلفزيون أو الصحافة، فمثل تلك اللقاءات الثقافية تحقق ذلك، وما شاهدناه في حفل افتتاح مهرجان الشام حضارة وابداع، أكد أن متعة حضور فرقة «انانا» يختلف تماماً عن متعة متابعتها على الشاشة، فالجمهور كان على تماس مباشر مع الفرقة المسرحية..

واضاف د. آغا في حواره مع «البيان» ان التواصل مهم جداً أيضاً لأنه يعرّف بالآخر، ليس الآخ الأجنبي طبعاً، بل العربي، وفي هذه الفعاليات تعرف اشقاؤنا في دولة الإمارات إلى مناشطنا الثقافية وامكاناتنا، وإلى ما قدمه الابداع السوري.. ويتاح لنا ايضاً في مثل هذا المهرجان التقرب من الجاليات السورية المقيمة، وخاصة من لا يتملكون فرصة أو وقت مشاهدة مثل تلك الفعاليات».

وعن التفاعل الذي تحققه مثل تلك المهرجانات على الأصعدة الفكرية والثقافية قال السفير ان المشاركين في هذا المهرجان يحققون تفاعلاً مباشراً لتبادل الأفكار ووجهات النظر، ولتقديم التجربة الثقافية الخصوصية، وهذا كله يسهم في اغناء الحركة الثقافية العربية،

وعلينا ألا ننسى أنه يصعب علينا في هذه اللحظة أن نسمي ثقافة قطرية، فنحن في لحظة ثقافة عربية بسبب عمق التواصل الحاصل أصلاً، فنحن لا نبدأ تواصلاً، وإنما نعيش تواصلاً، وفي المهرجان نعمقه، ولا يوجد في الثقافة العربية أحد يجهل الآخر، الذي يحدث في المهرجانات الدورية، هو تواصل هؤلاء المبدعين، وتعرف كل منهم على ما قدمه زميله في الميدان ذاته، أو ميادين أخرى من ميادين الثقافة.

وقال الدكتور اغا إن المهرجان الذي قامت به مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية بالتعاون مع السفارة السورية في دولة الإمارات، وبالتعاون مع وزارة الثقافة، تم وضع برنامج له، وحاولنا أن نحقق شمولية في أجناس وأنواع الثقافة، وحرصنا أن يكون الافتتاح بمعرض تشكيلي فني يقدم نماذج من الحركة التشكيلية في سوريا،

وسيبقى المعرض طيلة أيام المهرجان، وأيضاً حرصنا على أن يكون هناك مهرجان سينمائي يقدم أفلاماً لأهم المخرجين، وستكون العروض جماهيرية ومفتوحة لكل المشاهدين، ورغبنا أن يكون للمسرح حضور، وكانت فرقة «انانا» وأن يكون للموسيقى والغناء حضور،

وسيكون لفرقة سلطان الطرب حضور وللسيمفونية الوطنية السورية حفل موسيقي، وعلى صعيد آخر حرصنا أن يكون هناك تعريف بالآثار وبالتاريخ والحركة الفكرية والأدبية عبر حوارات مباشرة وندوات من قبل باحثين ومفكرين بارزين في شتى المجالات، إضافة إلى الأمسيات الشعرية لشعراء سوريين كبار.

وأشار د. أغا إلى أن مهرجان «شام» لم تطلق عليه تسمية المهرجان «السوري» لانه يشمل الثقافة العربية كلها، والحديث عن بلاد الشام، هو الحديث عن العمق الحضاري والإسلامي العربي، والمهرجان كله هو فعالية ثقافية عربية، لا تقدم تجارب منعزلة إقليمياً أو منغلقة على ذاتها،

بل تجارب متصلة في الثقافة العربية والعالمية، والعرض الذي قدمته فرقة «انانا» بعنوان «هواجس الشام» يقدم شكلاً عالمياً من الرقص التعبيري، فهمه حتى المشاهدين الأجانب الذين كانوا يحضرون الافتتاح، لان لغة الجسد لا تحتاج الى ترجمة.

الشخصية الأدبية

بالتوقف عند الشخصية الأدبية التي تم اختيارها لهذا المهرجان، قال السفير السوري: قمت شخصياً باختيار الحديث عن حسين كيالي، لان كيالي عاش سنوات طويلة من حياته في مدينة دبي، وكانت تجربته ذات خصوصية لأنه عاش في مواقع ثقافية إماراتية، كعمله في الإذاعة مثلاً،

بمعنى أنه كان على اتصال مباشر مع الناس والنخبة، وكتب بعض أعماله المهمة في دبي، ومما دعاني الى اختياره أيضاً أنه توفي في دبي ودفن فيها، إذن حسيب يعبر عن جسر التواصل الدائم والمستمر بين سوريا ودولة الإمارات.

وعن الجوانب الأخرى التي أثرت اختيار الكاتب حسيب كيالي شخصية أدبية للمهرجان، أضاف د. أغا ان كيالي أديب جدير بأن تضيء حياته وإبداعه الأدبي، ولاسيما أنه لم يلق من الاحتفاء ما يليق به الى هذه اللحظة،

رغم ان حسيب كيالي جاحظ القرن العشرين، وواحد من كبار أدباء العربي، كاتب ساخر يتميز برهافة الحس وبحضور البديهة، وهو على الصعيد الثقافي من أكثر المثقفين العرب غنى ثقافياً، فهو مطلع على جملة من الآداب العالمية، يهضم الأدب العربي والثقافة الإسلامية بشكل لا مثيل له،

لأنه صقل التفاعل مع الثقافة العربية بتفاعل عميق مع ثقافتين أساسيتين، هما الثقافة الفرنسية، والثقافة الروسية، وهو كاتب قصة من جيل الرواد، فقد كتب القصة منذ الأربعينات في القرن العشرين، وهو مؤسس في رابطة الأدباء السوريين، واضافة إلى ذلك كيالي أديب تواصلي، كتب في الصحافة كثيراً ولسنوات طويلة،

وهو على صلة يومية مع قرائه من خلال كتابته العمود اليومي أو الأسبوعي، وما من مقالة كتبها حسيب في الجريدة الا وقصها قراؤه واحتفظوا بها في أرشيفهم، لانه كاتب يصعب ان ترمي النص الذي قرأته له بعد أن تنتهي من قراءته لان فيه شيئاً ما يدعوك لان تبقى معه، ويبقى معك.

وأضاف الدكتور أغا ان أهم ما في أدب حسيب الطرافة والجدة، وهو مخترع اللغة الثالثة، هو الذي استطاع ان يموه على القاريء حين يقرأه، فلا يعرف أيقرأ باللغة الفصيحة أم العامية، ولكن بالتدقيق سيكتشف انه يقرأ لغة فصيحة، ولا يمكن ان نسميها لغة الصحافة، لان لغة الصحافة لها «كليشيهات» خاصة، وحسيب لم يكن لديه «كليشيهات»، ان لغة حسيب هي اللغة الأم للشارع.

دعوة للأثرياء

أشاد السفير السوري بالقائمين على مؤسسة العويس الثقافية لأنهم يرعون رافداً أدبياً مهماً في حياتنا الثقافية، فهم يستضيفون في كل عام ثقافة من بلد عربي، وهذا ما يسجل لهم رؤيتهم الشمولية وسعيهم للتواصل الثقافي عربياً.. ورداً على الشق الثاني من السؤال اعتبر ان جائزة سلطان العويس عطاء كبير ومهم جداً من رجل المال والثقافة، سلطان بن علي العويس رحمه الله، للمبدعين،

وقال انه لا يمكن لنا ان نتخيل وجود حركة ثقافية نشطة دون تمويل، لذلك يذكر لهذا الشاعر انه ترك وقفاً للاتفاق على الثقافة، وبالتالي هذا الوقف الثقافي يجب ان يكون بادرة مهمة ينظر إليها الأثرياء العرب برؤية مستقبلية وهي انها ما يبقى ما أثارهم..

وهنا اذكر الحديث النبوي الشريف: «اذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له»، وما تقوم به المؤسسة هي الصدقة الجارية في عمل خير، لان الثقافة ذروة عمل الخير،

لأنها تنشيط لعقول الناس وقلوبهم ونفوسهم، وهي تنمية فكرية ومعرفية للمجتمعات، واعتقد ان الجائزة التي قدمها سلطان العويس لعدد من كبار الكتاب والمبدعين العرب، عمقت الصلة بين المال العربي والإبداع العربي، وأدعو كل الأثرياء العرب إلى سؤال أنفسهم عن دور ما لهم في تنمية مجتمعاتهم.

حاوره محمود أبو حامد