تحت عنوان الفنون المعاصرة في سوريا، تواصلت فعاليات الجانب الفكري المصاحب لمهرجان الشام حضارة وإبداع الذي يختتم فعالياته غداً بأمسية موسيقية للفرقة السيمفونية الوطنية، وقد تنوعت أوراق هذه المحاضرة لتغطي جملة من المفردات والأبحاث التاريخية في مجالات الفنون المتنوعة الموسيقى، الفن التشكيلي والمسرح.

الورقة الأولى في ثاني جلسات الندوة الفكرية والتي أدارها الزميل جمال مطر قدمتها الدكتورة حنان قصاب حسن التي تحدثت عن النظرة الاجتماعية للمسرح في سوريا وتبدلاتها مستندة على كتاب قاموس الصناعات الشامية لمؤلفه محمد سعيد القاسمي الذي يذكر مهنة ممثل الروايات من بين المهن الحرفية العديدة التي تناولها،

وقد راجت هذه الحرفة كما أشارت حنان قصاب سنة 1295 للهجرة وما بعد ست سنوات رواجاً كبيراً واهتم بها بعض مديريها اهتماماً زائداً وأتقنوا عملها اتقاناً شديداً، وأصبح المحل المعد لها يغص بالمتفرجين، وسميت هذه المهنة وقتها بالقواميد ونشأ منها مفاسد جمة، ولذلك سعى من أوقف أمرها بواسطة الحكومة التي ضربت على أيدي عمالها، وفيما بعد حضرت جوقات من مصر وسمحت لهم الحكومة بإعادة التمثيل القديم، فأخذوا يمثلون الروايات العربية المهمة، وحظيت بإقبال جماهيري.

ونوهت حنان قصاب إلى أن وثيقة القاسمي وضعت هذه المهنة بين الحرف والصناعات واعتبرت أن الضرر الناجم عنها لم يكن من قيمة أخلاقية أو اجتماعية وإنما من معيار اقتصادي يرتبط بإنفاق المال على ما هو ضروري فقط في مدينة تجارية تحسب المصاريف وفق معايير الجدوى، ولا يوجد في نص القاسمي نظرة انتقاصية للنياترو كما كان يسمى مطلع القرن العشرين حيث لم تكن تسمية فنان معروفة،

وكان من يعمل في النحت والحفر والطباعة على القماش وغيرها يسمى حرفياً، أما وضعه الاجتماعي فقد كان على ارتباط وثيق بنوعية مهنته ومجال ممارستها حتى أبو خليل القباني رائد المسرح السوري كان من عائلة تعمل في مهنة من يزن بالقبان،

ولو كانت هذه المهنة محتقرة كما كان جده رضي أن يقدم في داره عرضاً لإحدى الفرق الأجنبية الزائرة والمنع والحرق الذي طال فرقة القباني فيما بعد لم يكن بسبب احتقار الناس بل لأن المسرح كان في نظر الرجعية سبباً في إلهاء الناس وإنفاق الأموال في غير موضعها،

لكن من المعروف ان بعض الممثلين من أبناء العائلات المعروفة كانوا يعتمدون أسماء مستعارة وفي مفردات هذه الورقة تناولت الدكتورة حنان قصاب حسن محطات أساسية في تغيير النظرة للعمل المسرحي والتطور التدريجي لهذا الفن وحضوره في الحياة على يد مجموعة من الأسماء البارزة في هذا المجال وصولاً إلى المرحلة التي تأسس فيها المعهد العالي للفنون المسرحية

ولكن رغم هذا التطور الجذري والشامل ما زالت شريحة كبيرة من الناس ترفض مهنة المسرح لأولادها وما زالت فرصة زواج الممثل أو الممثلة من خارج الوسط الفني ضئيلة لأن المجتمع وإن كان يحب ويحترم الممثل على الخشبة، إلا أنه يظل ينظر إليه نظرة خاصة خارج حدود هذه الخشبة.

الدكتورة ماري إلياس قدمت بدورها ورقة في إطار المسرح وجاءت بعنوان »المسرح السوري واقع وآفاق مستقبلية أشارت في مستهلها إلى أن الحديث عن المسرح بصورة عامة وفي سوريا تحديداً لا يمكن تجاهل النظر في الواقع لأن المسرح جزء من وضع ثقافي عام والمسرح السوري بصورة خاصة يعيش حالة من التخبط تؤثر على وضع العاملين فيه بشكل سلبي،

ويمكن القول أنه يمر بمنعطف سيؤثر على وجوده وخاصة في مقارنة عدد الذين يتخرجون من المعهد العالي للفنون المسرحية وعدد الذين يذهبون منهم للعمل في التلفزيون نظراً للموارد المالية التي يدرها العمل الدرامي التلفزيوني على العاملين فيه.

وتناولت الدكتورة ماري إلياس مجموعة من النقاط والاستخلاصات التي خرجت فيها من جراء استطلاع موسع مع شريحة كبيرة من العاملين في المسرح، في محاولة منها لطرح رؤية فيها نوع من الشمولية ومن هذه النقاط التي تحدثت عنها التحولات الموضوعية المراجعة التاريخية التي تجولت فيها الباحثة عبر مجموعة من المراحل التاريخية والمفصلية في سياق نمو وتطور المسرح السوري،

ثم تستعرض في ورقتها لعدد من الشهادات التي تقدم بها عدد من المسرحيين أمثال نائلة الأطرش، أسامة جلال، ونوهت في ختام هذه الورقة إلى أن التحديث والتجديد المطلوب العمل عليه في بنية المسرح السوري لابد أن يترافق بمتابعة دائمة وقناعة بوجوب هذه المتابعة والمحاسبة لكي لا نوهم أنفسنا أننا نتطور بمجرد وجود تجارب هنا وهناك، التي تبدو كالفطر الذي ينبت في أرض مشاع،

إن هذه المرحلة حاسمة وستقرر شكل وجود المسرح في المجتمع ومستقبله، وأكدت إلياس على ان المسرح من مؤشرات صحة المجتمع ومستواه الثقافي ولابد من العمل على تعريفه لمؤسسة اجتماعية تقوم على عمل الإفراد، وتنتج منتوجاً استهلاكيا سيساهم في الترفيه، واللحمة الاجتماعية، ولكن دوره الأهم يبقى في مساهمته في إغناء الحياة الفكرية والفنية للمجتمع.

الورقة الثالثة في هذه الندوة قدمها الناقد والتشكيلي الدكتور غازي الخالدي وكانت بعنوان محطات الحركة الفنية في سوريا، وعبر هذه الورقة جاب الخالدي بصورة بانورامية موسعة على بدايات الحراك التشكيلي عابراً محطاته التاريخية والفنية العديدة إلى جانب أهم الاتجاهات والتيارات التي شهدها هذا المحترف،

وقال في بداية ورقته: »البدايات الأولى للحركة الفنية التشكيلية في سوريا، كانت مرتبطة بنشاط عدد قليل من الفنانين التشكيليين، لا يتجاوز أصابع اليد منذ الثلاثينات،

وقد كانت السيطرة التركية العثمانية، ثم أعقبها الاحتلال الفرنسي، من أسوأ ما مر على البلاد، خاصة في مجال الحركة الفنية بجمع اختصاصاتها وفروعها، وكان الهم الأول لكل مواطن وخاصة الفنانين التشكيليين هو إزاحة هذا الكابوس عن صدر الأمة.. لذلك كانت فرص النجاح والتفوق قليلة أمام الفنانين التشكيليين في تلك الفترة.. فقد سيطرت السلطة الحاكمة على مقدرات المواطنين وعوقت فرص نجاح المبدعين، ورغم ذلك استطاع الفنانون من خلال نشاطاتهم، وإيمانهم،

ومبادراتهم الفردية في إقامة معارض خاصة، ومن خلال ممارستهم لمهنة تعليم الفنون في المدارس أن يتركوا بعض البصمات الهامة في تاريخ الفن لا تزال آثارها واضحة حتى اليوم.

وعندما تحققت الحرية المطلقة والسيادة الكريمة واطمأنوا إلى ذلك عادوا يتفرغون للعمل والبناء، وهم من الشعب العربي العريق الذي أغنى أكثر الحضارات العالمية بفكره وفنه.

لذلك لم تظهر الحركة الفنية التشكيلية في سوريا بمظهرها المتميز إلا منذ أن تفتحت البلاد على نور الحرية واستطاعت المواهب الفنية المتوهجة أن تجد لها متنفسا فرأينا الفنانين يظهرون في المعارض وفي مختلف الأنشطة المرتبطة بالثقافة والإعلام إلى الموسيقى المعاصرة في سوريا،

هو عنوان الورقة الأخيرة في هذه الندوة وقدمها الباحث نوري اسكندر الذي تناول الحراك الموسيقي في سوريا وابرز محطاته والتطورات التي مر بها مستنداً إلى الماضي العريق الذي يربط هذه المنطقة مع الفنون الموسيقية والتي تؤكدها الاكتشافات الأثرية التي تدل على صور للآلات الموسيقية المتنوعة من نفخية ووتريات وإيقاعية إلى جانب وجود نصوص خاص للتراتيل والدعاء في المعابد الوثنية التي كانت تؤدى من قبل المجموعات الغنائية مع قائدها ولمصاحبة مجموعة من الآلات،

كما تم اكتشاف رقم جديد في بلاد ما بين النهرين وأوغاريت عليها الشارات عن التدوين الموسيقي وأبعاد السلم الموسيقي. وبصورة عامة اتسمت ورقة اسكندر المطولة بمراجعة توثيقية وتاريخية للعديد من الملامح والمحطات التي مرت بها الحركة الموسيقية المعاصرة في سوريا، مؤكداً على أهمية متابعة البحث والدراسة والتجارب الموسيقية ضمن مناخات إبداعية جيدة للوصول إلى موسيقى معاصرة ثم كثر أقدرة وتأثيراً وفعالية، حتى تكون شاهداً ومعبراً ودافعا للتحولات والتغيرات الاجتماعية.