ثلاث أوراق فكرية هي حصيلة الجلسة الأولى من جلسات الملتقى الفكري المصاحب لفعاليات الأسبوع الثقافي السوري والتي سيشارك فيها كل من الدكتور محمد محفل، الدكتور علي القيم.
والدكتور أحمد برقاوي وأدارها الدكتور محمد عبدالله المطوع، وتقاسمت هذه الأوراق الموسعة والتي ألقيت باقتضاب الحديث عن الأبعاد التاريخية والحضارية والإبداعية في سوريا عبر مراحل مفصلية وجوهرية في تاريخها.
حيث جاءت ورقة الدكتور محمد محفل لتقدم قراءة تحت عنوان »سوريا من فجر التاريخ إلى الحضارة المدنية« استهلها بالإشارة إلى أن عالم الآثار »هـ. فيلد« عرف القسم الغربي لآسيا بأنه مهد الإنسان العاقل، وسوريا بمعناها الأوسع »بلاد الشام« تقع في قلب هذا الجزء من الشرق الأدنى القديم.
حيث شكلت هذه المنطقة منذ فجر التاريخ، بفضل موقعها الجغرافي وجودة مناخها ووفرة غلالها مهداً ممتازاً لقيام الحضارة ونشوء التجمعات البشرية من قرى ومدن ثم الدولة وتطور الحياة المدنية في ظل دولة مركزية، ونمو المدينة ورقيها.
وأضاف الدكتور محفل في ورقته أنه وفي هذه الرقعة الجغرافية حيث تلتقي آسيا وافريقيا وأوروبا، ازدهرت منذ فجر التاريخ بعض العناصر والمظاهر الحضارية من بناء وزراعة وحرف وبواكير الكتابة، وتمت المبادلات التجارية وتطورت نتيجة لكل ذلك بعض العناصر والمبادئ الفكرية والأخلاقية الاجتماعية.
وكل اللقى التي خلفها الإنسان القديم في مختلف بقاع هذه المنطقة، لا تدع مجالاً للشك في وجود حياة إنسانية راحت تنتظم في تجمعات فمجتمعات بشرية منذ مطلع القرن السابع قبل الميلاد، وذلك كما أظهرت شتى أعمال الحفريات الآثارية، على مدى العقود الأربع الأخيرة من القرن الماضي.
وفي موقع آخر من ورقته الغنية بالتفاصيل التاريخية أكد الدكتور محمد محفل أن عملية التفريق بين شعب كنعاني، وآخر فينيقي في هذه المنطقة ليس أكثر من نتيجة مغلوطة لا علاقة لها بالعلم والحقائق التاريخية حيث لم يكن هناك شعب كنعاني وآخر فينيقي، بل هذه تسمية مزدوجة لشعب واحد،.
ولم يتبع الكنعانيون هذه التسمية، بل أطلقها على فئة منهم أقوام غرباء عنهم وهم الإغريق، حيث إنه حوالي منتصف الألف الثالث قبل الميلاد كانت سوريا الطبيعية في قسمها الغربي مسكونة من قبل أقوام اشتهروا باسم الكنعانيين الذين شكلوا عدة مدن، شكلت كل واحدة منها دولة مستقلة مرتبطة مع المدن والدول الكنعانية الأخرى.
ومنذ القرون الأولى للألف الثاني قبل الميلاد برزت عدة مجموعات من الشمال إلى الجنوب »مجموعة المدن الشمالية أوجاريت ورأس شمرة، جزيرة أرواد ومدينة سميرا من ناحية البر، مجموعة المدن الوسطى ومن أهمها جبيل، صيدون، بيروت، ومن ثم مجموعة مدن صور وعكو ومجدو، إلى جانب المدن الجنوبية التي سيطلق عليها لاحقاً اسم فلسطين.
وخلصت ورقة الدكتور محفل إلى مجموعة من النقاط الأساسية منها أن دور سوريا الطبيعية تبلور منذ الألف السابع قبل الميلاد، وأن بلاد كنعان لا تقتصر على فلسطين كما جاء في الأسفار التوراتية، بل تغطي بلاد أمور ومختلف بقاع سوريا الطبيعية.
كما أن بلاد كنعان لا تعني البلاد الواطئة كما استخلص البعض هذا المفهوم من الأسفار التوراتية، بلاد الشام ظلت بأسمائها المختلفة تمثل كياناً جغرافياً متماسكاً منذ الألف الثاني قبل الميلاد وحتى أيام سايكس بيكو، ونوه محفل إلى نفطة جوهرية أن هرودوتس لم يذكر في تواريخه اليهود أو دولة يهوذا علماً أنه زار بلادنا وكان يعرف جيداً فلسطين.
الورقة الثانية في هذه الجلسة قدمها الدكتور علي القيم وجاءت بعنوان »سوريا مليون سنة ثقافة« وتضمنت جولة عامة في الفن الحضاري والتاريخي لهذه المنطقة التي أثبتت الأعمال الأثرية العديدة في المواقع التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ .
ونوه علي القيم إلى أن سوريا تعد من أغنى بلاد العالم بآثارها، وأوابدها التاريخية والحضارية الشاهدة على عصور موغلة في القدم، تمتد جذورها إلى نحو مليون سنة، وتتواصل عبر العصور والأزمنة والعهود لتصل إلى العهود العربية الإسلامية المتأخرة.
لقد بلغ عدد ما هو مسجل في عداد المواقع والتلال الأثرية والأوابد الحضارية التي يجب الحفاظ عليها وصيانتها والقيام بأعمال الكشف والتنقيب والترميم فيها ما يزيد على 4200 موقع أثري.
ومن هذا الرقم القابل للازدياد المستمر، ندرك مدى أهمية وعظمة المكنون الحضاري والمعماري الذي ترفل به سوريا منذ أقدم العصور، وأصبح على ضوء المكتشفات الأثرية العظيمة التي تمت في السنوات الماضية، محط أنظار العالم في أصقاعه المختلفة، لما له من قيمة تاريخية وفنية عالمية.
ولما يتميز به من خصوصية نادرة، جعلت الكثير من المؤرخين والباحثين والدارسين يعيدون النظر في كثير مما كتبوه وتعلموه وعلَّموه، حيث صارت سوريا في نظرهم، من مواطن الحضارة العالمية.
التي ينظر إليها بكثير من الاهتمام والروعة والدهشة، باعتبارها صانعة بدايات الحضارات والفنون، والإبداعات البشرية الخالدة، وتطور العلوم والمعارف العديدة، مثلها مثل: حضارة بلاد ما بين النهرين، ووادي النيل.
لقد أثبتت الأبحاث والدراسات الأثرية والأنثربولوجية التي تمت في كثير من المواقع الأثرية، إمكانية تتبع تطور حضارة الإنسان من خلال الآثار المكتشفة فيها، بشكل دقيق لا يتوفر في أي مكان من العالم، لدرجة يصعب فيها فهم عصور ما قبل التاريخ في المشرق القديم.
دون الانطلاق من سوريا، ولا غرابة في ذلك، فالأعمال الأثرية التي جرت في حوض النهر الكبير الشمالي (السرير الأعلى للنهر) قرب قرية ست مرخو، بمنطقة اللاذقية، أثبتت أن تاريخ وجود الإنسان واستقراره في هذه المنطقة يعود إلى مليون سنة خلت.
كما اكتشف في هذا الموقع أكمل تشكيلة أثرية وجيولوجية بدءاً من مليون سنة وحتى خمسين ألف سنة، ووجدت أدوات حجرية (صوانية) تمثل كل مراحل ما قبل التاريخ مترافقة مع التشكيلات الجيولوجية المتوازية، ويماثل هذا الموقع »موقع خطاب« في حوض نهر العاصي الأوسط، وهما يضمان أقدم آثار لإنسان ما قبل التاريخ في العالم ــ خارج افريقيا ــ.
وكشفت الأعمال الأثرية في موقع »اللطامنة« قرب مدينة حماة عن أحد معسكرات الصيادين الأوائل، وقد بقي هذا الموقع على حاله منذ نصف مليون سنة تقريباً.
وهو أحد أربعة مواقع بقيت سليمة من ذلك الدور (دور البليستوسين) الأوسط في العالم، وتعتبر مكتشفات يبرود (قرب دمشق) من أقدم ما عرف في العالم في الصناعات الحجرية لدى إنسان المغارات والكهوف في الشرق الأوسط، ولدينا مكتشفات من هذه المنطقة تمثل وجود الإنسان وتنوع حضارته في زمن يعود إلى 200 ألف سنة.
وخلص علي القيم من خلال جولته العامة على الكثير من المواقع والأوابد التاريخية المكتشفة أن هذه المنطقة من العالم قدمت إنجازات علمية ومعرفية وثقافية وحضارية كبيرة، كان لها أثرها ودورها في تطور المعارف والعلوم البشرية عبر امتداد زمني كبير.
الدكتور أحمد برقاوي الذي قدم الورقة الثالثة والأخيرة في هذه الجلسة الفكرية تحدث عن التيارات الفكرية في سوريا والتي أشار في مستهلها أن المتحدث عن التيارات الفكرية يجد نفسه واقعاً في مشكلة تصنيف المفكرين وسط تيارات مما قد يلغي خصوصية الفكر.
ويحشده في خانة لا سبيل إلى الإفلات منها، إضافة إلى خصوصية متعلقة في بلاد الشام التي من الصعب أن تسمح بالتمييز الشديد بين ما ينتمي لسوريا الراهنة وبين الأردن وفلسطين ولبنان.
لاسيما أن الجنسية التي يحملها المفكر لا تدل على الفضاء الجغرافي السياسي بدقة، إلى جانب قضية أساسية متعلقة بالمسألة الفكرية السورية، فهي مرتبطة بمشكلة التقدم التاريخي العربي بعامة.
ونادراً ما نجد فكراً سورياً يفكر سورياً أي بمشكلات سوريا حيث إن الوعي السوري النخبوي تشكل بوضعه امتداداً لفكر النهضة العربية في بلاد الشام مع اختلاف الشروط الموضوعية والتاريخية.
ثم حدد برقاوي التيارات الفكرية الكلاسيكية في سوريا وكما اتفق عليها أغلب المؤرخين ولكن انطلاقاً من مشكلة التقدم التاريخي الهاجس الأساسي للفكر العربي السوري ومن هذه التيارات التيار القومي أو الفلسفة القومية، التيار الأيدلوجي الإسلامي الذي ميز فيه الباحث بين الدين السائد شعبياً وبين الدين الذي يتحول إلى وعي سياسي.
ولكن الإسلام السياسي غالباً ما ارتبط بنشوء حركة الإخوان المسلمين المؤسسة في مصر، لكن حتى هذه الحركة ليست في سوريا لبوساً شافياً على يد مصطفى السباعي الذي جعل من الإسلام السياسي أيديولوجيا ليبرالية حيث أكد مفهوم الديمقراطية والمشاركة البرلمانية في الخمسينات.
حيث مال إلى اعتبار الإسلام ديناً اشتراكياً، وإن هناك اشتراكية إسلامية من جهة ثانية، غير أن نكوصاً ظهر في السبعينات والثمانينات أعاد الإسلام السياسي فكرة تغيير العالم باليد والعنف.
أما التيار الثالث الذي تناوله البرقاوي هو التيار الحداثوي الذي تنطوي تحته مجموعة من المثقفين الذين أتوا من أحزاب قومية وماركسية بالأصل، وكان لسان حالهم يقول إن المشكلة السياسية في الوطن العربي هي الحداثة والوصول إليها .
ونوه برقاوي أنه وفي جميع الأحوال فإن الخطاب الحداثوي السوري لا يختلف عن الخطاب الحداثوي العربي هذه الأيام، فهو يقوم على استعادة مفاهيم الديمقراطية والتقنية والحداثة والمجتمع المدني، مؤكداً على التصنيفات التي قدمها في هذه الورقة لا تشمل الأطياف وألوانه العديدة في المشهد الفكري السوري اليوم.
حازم سليمان
