العودة إلى أغراض الشعر القديم تضعنا دائماً أمام أسئلة جديدة، خاصة حين تتجاوز الانزياحات الحداثية العشوائية والانتقائية حدود المنطق والأعراف لتخلط الحابل بالحابل، لأنه على ما يبدو لم يعد ثمة نابل.

. ومن تلك الاختلاطات » خبص « المديح بالتدليس، والفخر بالتواضع، والتواضع بالوضاعة .. وإن كان التواضع رفضاً متطرفاً للمديح في بعض التنظيرات، فثمة مجانية مقابل ثقافة مهنية تتبلور عولميا.... ومحليا أيضا..

وبالعودة إلى الشعر الجاهلي مثلا، سنجد أن ثمة تداخل بين الفخر والمديح، ولكن خيوطه واضحة تماما، فالشاعر الذي يفتخر بقبيلته يمتدح هذه القبيلة، ويمتدح انتماءه إليها، وفي الوقت ذاته يفخر بشاعريته وتميزه كلسان حال للقبيلة، وكمبدع أضاف جديدا في هذا الغرض أو ذاك...

ويندرج هذا تحت المديح خارج القبيلة، فالشاعر الذي يمتدح والياً أو حاكماً أو إمبراطوراً، يسجل في دفاتر التاريخ إضافة جديدة .. أو بالأحرى سجل إضافة جديدة، لأنه لو لم يلق مديحه رضاء الحاكم لما وصل صوته، أو لنقل اسمه، إلينا ليلقى مديحنا وإعجابنا أيضا كإضافة إبداعية ..

ورغم هذا التشابه الشديد بينهما، ظل المديح والفخر غرضين منفصلين من أغراض الشعر عبر مراحل تطوره المتعاقبة من الجاهلية إلى يومنا هذا، وربما من أحد الأسباب المهمة في هذا الانفصال، وجود تفريق جوهري بين ذات الشاعر المادية، وذاته الفكرية والروحانية ..

أي كان ثمة فهم سائد ومتفق عليه كعرف، يبيح للشاعر أن يمدح - على الأقل من يستحق المديح - مقابل توفير ما يمكن أن يعين الشاعر على حياة تكفل له معيشته أولا.

وحياة رغيدة تتناسب مع طقوسه وملهمات إبداعه وحريته ثانياً .. ومع هذا كله سطر لنا تاريخ الأولين مواقف مغايرة لشعراء رفضوا ملامسة برودة بلاط السلاطين في قمة القيظ، ودفء مكرماتهم في صقيع الحياة ..

والأهم أن كل الحالات التاريخية لمواقف الشعراء عبر أغراض قصائدهم المتنوعة من مدح وهجاء وفخر و... كانت تتم عن دراية ومعايشة ومواجهة، أي رغم بعض السلبيات التي كانت سائدة في تلك العصور، إلا أنه لم يكن ثمة ما يعرف بالتدليس على الصعيد الشعري.

أو الأسلوب الشعري أو حتى الأجواء الشعرية، والتدليس كمفهوم كان بعيدا كل البعد عن الذين يقولون ما لايفعلون وفي كل واد يهيمون ويتبعهم الغاوون .. وبالبحث في معاجم اللغة سنجد أن التدليس يطلق عند المتقدمين على حالتين :الحالة الأولى، رواية الراوي عمن عاصره.

ولم يلقه، أو لقيه ولم يسمع منه بصيغة تحتمل السماع كَــــ »عن« وَ »قال« ونحوهما .وبعض العلماء يسميه إرسالاً وبعضهم يسميه : »المرسل الخفي « . الحالة الثانية، رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه موهماً أنه سمع منه بصيغة تحتمل السماع كَـ»عن« وَ »قال« ونحوهما .

و التدليس نوعان : تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ. تدليس الإسناد هو أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، أو يروي عمن عاصره ولم يلقه موهماً أنه سمعه منه، بأن يقول عن فلان، أو قال فلان، أو أن فلاناً فعل كذا، أو أن فلاناً قال كذا، ونحو ذلك من كل لفظ يوهم الاتصال ولا يقتضيه.

أما إذا روى عمن لم يعاصره بلفظ يوهم الاتصال فليس بتدليس على الصحيح المشهور بل هو منقطع. ويعبَّر عن ذلك بأنه إرسال ظاهر. وإذا صرح بالسماع ولم يكن سمع من شيخه ولم يقرأ عليه فانه يكون من باب الكذب الصريح فيكون مجروحاً مردود الرواية. ..

هذا ما كان من معنى التدليس معجميا منذ زمن بعيد على ما يبدو، لأن الإضافات الجديدة أعطت له مفاهيم جديدة وأدوات مغايرة وطقوساً خاصة ولغة فريدة، فالتدليس لم يعد يُحدد بمعرفة الشخص أم لا، لأن عند الانترنت الخبر اليقين .

. ولم يعد يُحدد بالفخر والمديح، لأن ذات الكاتب أو الشاعر الأخرى لا تتجاوز ثقافة المهنة الحالية، وهي ثقافة معقدة وتحتاج إلى الكثيرمن المعرفة بحياكة الجوخ، و حنكة المحافظة على الذات دون الآخرين » والباقي هو الأفضل كما قال فلان « ..

والأنكى من كل هذا أن فن التدليس بتشكيلاته الجديدة لم يقتصر على عدم معرفة الأشخاص وإنكار الرواة و... فحسب، بل لوي عنق الحقيقة علنا بأدوات شفافة ولغة شعرية.

أو تدعي الشعرية، مختلطة بالتبجيل والتكبير والتقديس ... في صفحات وتداعيات ذهنية تبني قصوراً من وهم لدواوين لاتقرأ إلا عناوينها ولرؤى لم تجب منها غير أرصفة التخييل.

وهذر يتوالد من هذر ..ويصير الشاعر عبقريا نبيا عظيما نظيفا كغسالة اتوماتيكية .. وشاعر الفريج عالميا تدرس أشعاره في المغرب العربي، وتغنى قصائده على ضفاف النيل .... وهكذا تمتلئ الصفحات ولا يقرأ الممدوح غير »صورته« من كل الجريدة ..

mah7z@hotmail.com