كثيرة هي التحولات التي مر بها المحترف التشكيلي السوري الذي تعود مقدماته ومرجعياته الأولى إلى سنوات بعيدة ضاربة في التاريخ والقدم، ولا يستطيع لمن يريد توثيق الحراك التشكيلي تجاهل الآلاف من اللقى الفنية من تماثيل.

وجداريات وفسيفسائيات، والرتوش، والزخرفيات التي تنوعت تواريخها بين المراحل الآرمية، والكنعانية، والتأثيرات السومرية، ثم الممالك والمدن التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، هذه التحولات لم تتوقف حتى اللحظة الراهنة، نظراً للغنى الذي عايشته هذه المنطقة جغرافياً ومرورها بجملة من التحولات المفصلية تاريخياً وسياسياً واجتماعياً.

غير أن المحترف التشكيلي الحديث الذي أخذ شكل الحراك البصري والفني بمعناه المعاصر لم تتشكل ملامحه الحقيقية الأولى إلا مع رواد فترة الاحتلال العثماني والفرنسي عشرينات القرن المنصرم، وكانت أعمال هؤلاء الفنانين الرواد، أقرب إلى محاكاة الغرب في مناهجه وأفكاره ومفاهيمه في مجال الرسم.

وذلك قبل جملة التطورات التي عرفتها الحركة التشكيلية السورية ثلاثينات القرن المنصرم على يد مجموعة الفنانين الذين تم ابتعاثهم إلى إيطاليا، وتأثيرات هذا الجيل الذي ضم مجموعة من الأسماء على عشرات الفنانين.

ومن ثم الأجيال اللاحقة التي تنوعت مشاربها الدراسية ومرجعياتها الأكاديمية التي كان لها الفضل في العمل للوصول إلى صياغات واتجاهات مرتبطة بالحداثة والتحديث الفني التي تتواصل حلقاتها حتى يومنا هذا.

ومن هنا فإن المعرض التشكيلي الجماعي الذي تستضيفه مؤسسة العويس الثقافية ضمن فعاليات »مهرجان الشام حضارة وإبداع« يتسم بأهمية خاصة، كونه يتضمن على مجموعة فنية تتجاوز السبعين عملاً لعدد كبير من الأسماء والرموز والشخصيات التشكيلية الكبيرة الراحلة والتي لا تزال على قيد الحياة.

بما يشبه الإطلالة البانورامية على ملامح من الحراك التشكيلي السوري المعاصر، حيث يقدم هذا المعرض هذه التجارب المتفاوتة من الناحية التاريخية والأسلوبية.

وقد أشارت مؤسسة العويس في تقديمها لهذا المعرض بالقول »ان هذا المعرض يجيء في إطار توجه استراتيجي للمؤسسة، خاصة وان رموزاً عديدة قد أثبتت جدارتها وإبداعها عبر قرن من العطاء في سوريا الحديثة.

شأنها شأن قطاعات الإبداع الأخرى في الوطن العربي، معتمدة على عمق حضاري لشعب عريق، إن ما يعرض من أعمال تشكيلية سيشكل بمجموعه صورة واحدة من آلاف، بل ملايين الإبداعات التي حققها الإنسان في سوريا.

حيث انه لا يمكننا الفصل بين إبداع اليوم وحضارة الأمس، إننا في هذا المعرض أمام موسيقى بصرية، فكل لون وكل كتلة، وكل ظل، وكل بقعة ضوء، هي صورة لمعاناة المبدع وبانوراما لإبداع أمة، ليس بمعزل عن بقية أجناس الأدب والفن الأخرى، فكل جنس يشكل وجهاً من هذه الصورة متعددة الوجوه«.

تتنوع أعمال وتجارب هذا المعرض الذي يقدم لنا مجموعة من التجارب النادرة لفنانين على درجة كبيرة من التأثير والحضور في مسيرة المحترف التشكيلي السوري حيث نشاهد للفنان أبو صبحي التيناوي »1888ــ1973« وهو واحد من الفنانين الرواد.

والذي عرفت تجاربه بحسها الشعبي، وتجسيده في أعماله العفوية البسيطة لأبطال الحكايا الشعبية من فرسان وشخصيات راسخة في الوجدان الشعبي، كما نشاهد تجارب للفنان أدهم إسماعيل »1923ــ1963« وهو فنان على درجة كبيرة من الخصوصية .

والتأثير في مسيرة المحترف التشكيلي السوري خاصة بعد عودته من دراسة الفنون في أكاديمية الفنون الجميلة في العاصمة الإيطالية روما، وله كان من أوائل الفنانين الذين ارتكزوا على المخزون الزخرفي والبصري العربي لتأسيس لوحة حديثة تحمل الهوية وروح المكانة والثقافة.

كما توجد أعمال للراحل فاتح المدرس »1922ــ1999« الذي يعتبر رائداً حقيقياً من رواد الحداثة التشكيلية والذي تركت أعماله بصماتها على أجيال متلاحقة من الأسماء الفنية الكبيرة.

ومن الأسماء الأخرى نشاهد للفنان الراحل ثوري كيالي »1934ــ1978« الذي درس الفن في إيطاليا وترك بصمته الخاصة عبر أعماله التعبيرية وتفرده في اختيار مواضيع لوحاته التي ارتبطت بصورة وثيقة بالشارع وحياة الناس وهمومها اليومية.

أعمال الفنان المعروف نذير نبعه موجودة أيضاً في هذا المعرض ونبعه من الأسماء المعروفة والمؤثرة واهتم عبر أعماله بالأسطورة، وقضايا الإنسان العربي، عبر مزجية متفردة بين الواقعية المدهشة والرمزية التي يستمدها من علاقته الوثيقة بالتاريخ القديم. وفي هذا السياق نتعرف على مختارات تعبر عن مراحل تاريخية متفاوتة وأجيال متنوعة.

حيث نشاهد لناظم الجعفري، نصير شوري أحد الانطباعيين الرواد، عمر حمدي »مالفا«، شلبيه إبراهيم، حمود شنتوت، أحمد معلا، عبداللطيف الحمودي، إسماعيل الرفاعي، ثائر هلال، نعيم إسماعيل المعروف برؤاه الفنية الخاصة التي تنطلق من العناصر التراثية العربية.

وسامي برهان الذي درس الفنون في المدرسة العليا للفنون الجميلة في باريس ويعتبر من المبكرين في العمل على استلهام الحرف العربي وما يسمى بالحروفية، إضافة إلى أسماء عديدة أخرى.

وقد أصدرت مؤسسة العويس كتاباً جامعاً لهذه الأعمال أعده الفنان طلال معلا الذي يشارك بدوره في المعرض، وقدم في هذا الكتاب دراسة تاريخية عامة للحركة التشكيلية في سوريا عائداً إلى أشكالها الأولى.

ومقدماتها التاريخية والمفصلية أشار في ختامها الى ان الحركة التشكيلية في سوريا لا تزال تسعى للاستقرار، إلا أن هذه الصفة تتعارض ومبدأ التطور الذي يدفع بالفنانين إلى المزيد من التجريب، سواء فيما يتعلق بالمحترف ذاته الذي ينتمي إلى الوعي الجمالي والحضاري لخصوصية المنطقة.

أو عبر الطموح الذاتي للفنانين، خاصة مع تعدد التجارب واتساع مساحتها واعتبار الفن بمكوناته المختلفة جزءاً من الوعي والذاكرة وضرورة من ضرورات الحوار مع الآخر، ولغة للتفاهم بين الشعوب ثقافياً وجمالياً.

حازم سليمان