»مدد.. مدد«، تلك الصيحة التي تتردد في موالد الأولياء الصالحين على امتداد وادي النيل كله، هي عنوان المعرض الأخير للفنانة ايفيلين عشم الله، والذي فرض طقسا شعبيا على الرواد الارستقراطيين بشارع المنصور محمد بالزمالك.

حيث قاعة خان المغربي التي تحتل المنتصف منه، وإن كان المعرض لم يتعد الفعل التصويري في صورة لوحات عفوية، احتفت بالألوان الصريحة المبهجة الشعبية، لذلك يطرح المعرض سؤالا محيرا:

ما هو سر رغبة الأغنياء في اقتناء أعمال فنية تنتمي إلى أجواء شعبية؟!.. وهل هي رغبة أصيلة، أم انها موضة من باب الوجاهة والحسابات الاجتماعية، على طريقة ثقافة الطبقة، أم أنها سياحة الثقافة في شكلها الفنتازي؟!

المؤكد أن ايفيلين عشم الله تخلت عن اسلوبها القديم والتي اشتهرت به،وكان يعكس نزعة سيريالية عارمة، استمدتها من حكايات الأجداد الخرافية والتي تتخذ شكل الكابوس في أحيان كثيرة، لكن تجربتها الجديدة اتسمت بالواقعية العاطفية.

ورغم اختيار »إيفلين« لمنظور استثنائي في أغلب لوحاتها.. وهو منظور عين الطائر، والذي يتبادر إلى الأذهان ارتباطه بنظرة فوقية متعالية، إلا أن الاختيار يتسق مع رغبتها في تسجيل تفاصيل عديدة بانورامية لمشهد يشبه الفسيفساء.

أو زخارف الدانتيلا الرقيقة والجمالية، والتي تكون كلا استراتيجيا من تفاصيل صغيرة على تجاورها، فقد ملأت ايفيلين كل سنتمتير في المسطح بالألوان الصريحة والخطوط الحادة السوداء التي تأطر الأشكال كلها وكأنها قطع من الزجاج المعشق, بيت أثري قديم أو كنيسة أو مسجد جامع.

تنتمى ايفيلين عشم الله(1948) إلى دلتا النيل حيث مدينة »دسوق« في الغرب من فرع رشيد، تلك البيئة التي تجمع تراث الوادي كله، فليس غريبا أن تتمسك بالمؤثرات الشعبية، لكن على نحو اسطوري، حيث تنسج عالما خرافيا غير مسبوق.

وتكشف عن عالمها الأثير الذي لم تبرحه منذ أن تخرجت في كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية العام 1973، فقد استطاعت أن تحول الحوار الشفهي الجمعي التراثي إلى سرد تشكيلي في صور رموز و»تصاوير« مبهمة على مدار مسيرتها الفنية، التي صاغت نقلة جديدة بأسلوبها الجديد في معرض »مدد.. مدد«.

القاهرة ـ سيد هويدي: